توحيد الكلمة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام من الله العزيز الحميد على محمد رسول الله وخاتم النبيين وسائر أخوته من الأنبياء والمرسلين، وآلهم في العالمين ممن والاهم واتبع سبيلهم في الدعوة إلى الله على بصيرة وسبح بحمد ربه ولم يكن من المشركين إنك ربنا حميد مجيد .

نعم، ما أعظمها ربنا كلمات قليلة إلا إنها في الميزان ثقيلة لخصت بها سبحانك دعوة الحق في اتباع خاتم رسلك وحملتهم مسئولية استمرار الرسالة حيث لا نبي بعد هذا الرسول الخاتم وذلك في هذه الآية الكريمة: } قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين {  108/ يوسف

    وإذا كانت دعوة الحق واحدة، وكانت رسل الله إبراهيم وذريته ومنهم موسى وعيسى وداود وسليمان ومحمد عليهم جميعا ً صلوات الله وسلامه ذرية بعضها من بعض وكلهم من ذرية آدم ونوح عليهما صلاة الله وسلامه، يأمرون بتسبيح الله والإخلاص في عبادته سبحانه وتوحيده بإيمان خالص يصدقه عمل صالح. وكان السابق منهم يبشر بمن يأتي يعده، واللاحق يصدق الذي جاء قبله ويتم رسالته، ثم كانت الرسالة مستمرة في اتباع خاتم الأنبياء كما جاء في الآية الكريمة المتقدمة، فلا بد وان تكون الرسالة واحدة من آدم إلى محمد ومن تبعه في أداء الأمانة وتبليغ الرسالة إلى يوم الدين.

    إن هذا ما حدا بي إلى كتابة هذا البحث الذي أرجو أن يجعل الله فيه ما كنت أرجوه منه بإذنه سبحانه وحسن توفيقه من توحيد كلمة المؤمنين على كلمة التوحيد. وإن ما جاء في هذا البحث من أخبار عن التاريخ المسيحي، فإن أكثره مأخوذ من كتاب " تاريخ الكنيسة المسيحية" (من تأليف الإكليكي  أ.ر. ويتهام، كاهن الكنيسة اليسوعية –  أكسفور)  وبعض الموسوعات العالمية ، ومن المجهود الخاص مما اطلعت عليه بمرور السنين مستشهداً ببعض آيات القرآن العظيم خاتم كتب الله، وأحاديث خاتم رسله في هذا المعنى عليهم جميعا صلاة الله وسلامه.

 

على أن البحث وإن كان  مقتضباً إلا أني أرجو أن يكون فيه فائدة، وليتمكن القارئ من قراءته في فترة وجيزة في عصر كثرت فيه الكتابات ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية وكما قيل:

 

تكاثرت الظباء على خراش                 وما يدري خراش ما يصيد

 

   وإن كان في كتابتي عدم ارتياح للرهبنات العالمية المختلفة، والباطنيات وأنصاف الباطنيات على مختلف أشكالها، ولكل تطرف نحو اليمين أو نحو اليسار فإني لا أقصد من ذلك وأيم الحق غير توحيد الكلمة على كلمة التوحيد، علماً بأن دين الله وسط كما جاء في خاتم كتبه المنزل على خاتم رسلهr.

 وأذكر من ذلك قوله سبحانه: } وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا { 143/ البقرة

    ثم يعلم الله أني لا أنتقص من فضيلة الإحسان في تقوى الله والتبتل إليه سبحانه والإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته معتقداً أن في ذلك وسائل للهداية إلى الصراط المستقيم وإصلاح الحال والمال وسعادة الدارين معا دون أن ينقطع المرء للآخرة وينسى نصيبه من الدنيا. جعلنا المولى سبحانه ممن يقول: } ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار { 201/ البقرة

     هذا وإني في الوقت نفسه لا أستغني عن إرشاد ناصح مخلص يحب الخير وتعميم الفائدة، راجياً الخير والتوفيق لكل إيجابي يقبل ما يعتقد أنه صواب وينبه إلى الخطأ، وجل ّ من لا يخطئ  وإني أرحب بالرد البناء حيث كما قيل إن المغلوب في العلم هو الغالب لأنه هو المستفيد. والله سبحانه من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل. والسلام على من رأى نوراً فهداه، وعرف واجبه فأداه ورحمة الله وبركاته.

المؤلف: عبد العزيز العلي المطوع القناعي

 

" وما هي إلا  ذكرى للبشر "

الدين عند الله واحد منذ الخليقة

    نعم إن الدين الحق واحد.. منذ آدم حتى  محمد رسول الله وخاتم النبيين – عليهم جميعا صلاة الله وسلامه. وتتلخص الأوامر والنواهي في دين الله  ً الواحد في توحيد الخلاق العظيم، وإنه سبحانه موصوف بجميع صفات الكمال ومنزه عن جميع صفات النقصان. وإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه صالح العمل، وإن من صالح العمل التواصي بالحق والتواصي بالصبر فيما بين كافة المؤمنين في مواجهة الإلحاد والفساد وكل ما هو محرم في دين الله الواحد. ودعوة إلى الله عامة كفرض كفاية.. إذا قام بها البعض على وجه مجز صحيح، وكانوا قدوة صالحة للدعوة الصالحة  سقط الإثم عن الباقين وإلا فإنهم شركاء في الإثم.

    وحبذا لو تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تقوم الأمة بكامل قواها لحماية الدعوة والدعاة إلى الله مع المحافظة على الحقوق والواجبات، والإعداد لذلك قدر الاستطاعة بقوة تماثل قوة الأعداء أو تفوقها.  لإرهابهم مصداقاً لقوله سبحانه:

 } وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم {  60/ الأنفال

    وكما جاء في حديث شريف سيأتي ذكره فيما بعد: ( نصرت بالرعب ) ، ومما لا شك فيه أن القوة تحتاج إلى رجال مؤمنين وعلماء صالحين متفانين في سبيل دعوة الحق وإقرار السلام والدفاع عنه. وإن مما يدل على أن الاستعداد بالقوة يكون بقصد إرهاب العدو وإرعابه – قوله سبحانه في الآية 61 من نفس السورة:

 } وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ~  {    61/ الأنفال  

    وإن استعمال هذه القوة لا يكون إلا بقدر الحاجة وكلما اقتضى الأمر ذلك، هذا هو دين الله الواحد ودعوته الحقة التي جاء بها جميع أنبيائه ورسله سبحانه.ويشاركنا في ذلك الهر إرنست دي بونس في كتابه " الإسلام أو النصرانية المصححة " فيقول: " ما دام الله واحد فلا بد أن يكون الدين واحداً ". ويؤيد هذا المعنى قوله جل ّ شأنه:  } شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ~ {  13/ الشورى  

    إلى قوله جل ّ شأنه في الآية 15: } فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ~ {   15/ الشورى

وعليه، فإن إجماع أصحاب الأديان السماوية على التعاون فيما بينهم للأخذ بكل خير يتفقون عليه جميعاً، ونبذ كل شر يلتقون على نبذه، ومحاربة الإلحاد والفساد كيفما كانا وأينما وجدا – يخولهم مواجهة كل معاد للإيمان بالله الواحد القهار.. الواجبة عليهم جميعاً لأنهم يؤمنون كلهم بإله واحد ويؤمنون بجميع أنبيائه ورسله – رسل الحق والخير والسلام. وينبذون كل خلاف وكل دعوة تفريق بينهم، لا سيما وأن الدين الخاتم يؤمن بجميع رسل الله ويصدق جميع كتبه بما لا يقل عما جاءت به كتب الله المتقدمة مصدقاً لقوله سبحانه: } وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه {  48/ المائدة

 

التكامل الديني والتعاون الإيجابي فيه:

      إن التكامل الديني منذ بدء الرسالات الربانية إلى خاتمها بالقرآن الكريم وارد. وإن التعاون الإيجابي  العالمي وإزهاق الباطل وهيمنة الحق يستدعي إقبال أصحاب الأديان السماوية على كلمة سواء، ووقوفهم صفاً واحداً في مواجهة كل من يحارب الإيمان بالواحد الأحد لا إله إلا هو سبحانه، والإيمان بجميع ملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر –  وألا نعطي قدسيات وهالات ضخمة لبشر منا نجعلهم وسطاء بيننا وبين الله، ونرفعهم لدرجة الرسل والأنبياء أو أكثر من ذلك  ونضخم لهم القبور ونبني عليها المساجد للتقرب إليهم والتزلف إلى الله بهم ونصدق ما يدعون بأنهم يتلقون رسالات وإلهامات ورؤيا.. مصدقاً لقوله سبحانه: } قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله  {

64/ آل عمران.

 

    ومما لا شك فيه أن رسالة المسيح متممة لرسالة أخيه موسى عليه صلاة الله وسلامه، كما روى عنه قوله: ( ما جئت لأنقض الناموس بل جئت لأتممه )، وأن الإسلام متمم للدين الحق كله بما فيه اليهودية والنصرانية لقوله r : ( فضلت على الأنبياء بست، قيل ما هن أي رسول الله ؟ قال: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون، مثلي ومثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كمثل رجل بنى قصراً فأكمل بناءه وأحسن بنيانه إلا موضع لبنة، فنظر الناس إلى القصر فقالوا ما أحسن بنيان هذا القصر لو تمت هذه اللبنة، ألا فكنت أنا اللبنة ألا فكنت أنا اللبنة (عن أبي هريرة، المجلد الثاني من مسند ابن حنبل) إن أول الحديث يبين فيه رسول الله r ما فضل به على الأنبياء، وإنه مع هذا التفضيل لا يعدو أن يكون لبنة في البناء الذي أقامه الأنبياء من قبله عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، كما يقول r : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ). ومما ورد عن السيد المسيح عليه السلام: ( من ثمارهم تعرفونهم )

     

     وعليه فإن على كل مسيحي ينفذ تعاليم السيد المسيح بل وعلى كل إنسان أن يستعمل مواهبه في النظر في ثمار هذا الرسول الخاتم للنبيين، والقرآن المنزل عليه من حيث الإيمان بجميع الرسل المتقدمة، وبيان قصصهم مع أقوامهم، من حيث الأوامر والنواهي، ومن حيث الحكم والمواعظ، ومن حيث التحاب والتشاور، ومن حيث العلوم الحديثة إذ لا يخرج علم نافع جديد أوفهم صالح سديد إلا والقرآن سابق له ومقره أو نافيه أو معدل فيه، فهمه من فهمه، وجهله من جهله مصداقاً لقوله سبحانه: } أم حسب الذي يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون {   4/ العنكبوت

 

ومن حيث النظام الكامل الشامل، ومن حيث التعاليم والتوجيهات، ومن حيث لا تنقضي عجائبه، وهو القول الفصل وما هو بالهزل.

     

    وعلى المفكر في هذه الثمار الطيبة ألا يعتبرنا نحن مسلمي اليوم  صورة صحيحة تمثل تلك الرسالة الحقة الخالدة، وكلما قربنا إلى التمثيل الصحيح تغيرت الحال إلى الأحسن، والعكس صحيح. } إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم {  11/ الرعد

 

على أن العلم هو معجزة العصر الحاضر.

 

 ومما قيل: إن العلم الثابت يقين وما عداه تخمين، فاتقوا الله أيها الناس، واستعملوا مواهبه التي وهبكم إياها، فإن الدين لا يعطل المواهب بل ينميها.. وبهذه المواهب فضل الله الإنسان على الخلق كله، وحمله الأمانة من دون باقي الخلائق، مصداقاً لقوله سبحانه: } إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا {  72/ الأحزاب

 

ولله در القائل في أهمية الإنسان وتكريمه وقد خلقه الله سبحانه في أحسن تقويم، ووسع أفقه لاستيعاب العلوم وتطويرها واكتشافه لخباياها عقلا ونقلا:  

وتزعم أنك جرم صغير           وفيك انطوى العالم الأكبر

 

    وإنه مما لاشك فيه أن هذا الإنسان المفضل مخلوق لحياة عليا أفضل وأطول من هذه الحياة القصيرة المهمة التي رغم أهميتها ليست إلا فترة امتحان يكرم المرء بعدها أو يهان، فينال المؤمن العامل للصالحات جائزته جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، أو ينطبق عليه قوله سبحانه: } ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا {  72/ الإسراء

 

وذلك لينال المؤمن هذه الجائزة عن أحقية وأهلية مصداقاً لقوله سبحانه: } وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها {  26/ الفتح

 

 والعكس لمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر بعد قيام الحجة عليه مصداقاً لقوله سبحانه: } قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ~ {   28/ هود

 

علماً بأن المؤمن يكون بين حالتي التقوى والاستغفار مصداقاً لقوله سبحانه: } هو أهل التقوى وأهل المغفرة ~ {    56/ المدثر

 

يجيب دعوة الداعي إذا دعاه مصداقاً لقوله جلّ شأنه: } وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ~ {   186/ البقرة

 

وقوله سبحانه: } فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ~ {  284/ البقرة

 

وقوله سبحانه: } قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً {  53/ الزمر

 

العلم والديــن

    إن الله سبحانه قد أزل كتبه بعلمه، وبعلمه جل ّ جلاله خلق كل شيء بقدر. وإن الكون كله علوم ومقادير . وما التقدم العلمي إلا محاولة من الإنسان لفهم شيء يستطيع إدراكه من خضم هذه العلوم وأسرارها. ولو اختل هذه المقادير أو اختل شيء منها لاختل نظام  الكون كله، فحكموا العقل وحكموا العلم وفكروا في أنفسكم وفكروا في نظام الذرة الذي ينصب عليه نظام الكون كله.

} ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت {  3/ الملك

 

وما دام نظام الذرة ونظام الخلية هو نظام الكون كله فإن وحدة النظام للكون كله تدلنا على وحدانية الخلاق العظيم سبحانه. وقد أخبرنا الدين الواحد يما جاء في القرآن الخاتم لكتب الله في الآية 59 من سورة الأنعام: } وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين {

59/ الأنعام

 

وقوله سبحانه: } وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~ {  61/ يونس

 

     وإذا كان اليابس يشمل الذرة، فإن الرطب يشمل الخلية (مصداقاً لقوله سبحانه وجعلنا من الماء كل شيء حي) وعليه فإن الرطب واليابس يشملان الخلق كله بما فيه من أحياء وغير أحياء. وأن الله سبحانه قد أنبأنا عن الذرة والخلية وما كان أصغر منهما أو أكبر منذ أربعة عشر قرناً في كتابه الكريم الذي هو بين أيدينا اليوم، نقرؤه ونسمع تلاوة ما تيسر منه مراراً كل يوم ، ومما يؤثر عن الإمام علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه قوله: ( انقطع الوحي ولم يبق إلا الفهم )، نسأل الله سبحانه التوفيق لفهم يزيدنا إيماناً بوحدانية الخلاق العظيم، ويكسبنا رضواناً من الله أكبر. وما أجمل الإيمان إذا كان عن طريق العقل والعلم والمعرفة. وإن القرآن العظيم الخاتم لكتب الله، هو كتاب الدين كله، والزمن كله، والعلم كله، والخير كله.

} الرحمن ~ علم القرآن ~ خلق الإنسان ~ علمه البيان ~ {   1-4/ الرحمن

 

الإيمان برسل الله وأن رسالتهم تتلخص بكلمة لا إله إلا الله

   طالما أن الدين واحد، وأن رسل الله جميعاً تسير على نمط واحد ألا وهو قول " لا إله إلا الله " مصداقاً لحديث وارد عن خاتم النبيين r : (إن أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) - موطأ مالك- " كتاب الحج 246 "، فإن الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله دون تفريق بينهم، وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر واجب على كل مؤمن.

 

علماً بأن رسالة محمد رسول الله وخاتم النبيين لا يشك أحد مهما تمادى في الإلحاد والمكابرة في قيامها وما أحدثته من فتوحات وآثار خالدة وثمار طيبة، بينما يوجد من الملاحدة من يشك في رسالتي موسى وعيسى عليهما صلاة الله وسلامه، لأنهما عاشا في ظل دولتي الرومان والفرس وإنما الذي يضايق الملاحدة هو شهادة القرآن العظيم لهذين الرسولين وهاتين الرسالتين بما يزيد عما جاء في التوراة والإنجيل. فعلى اليهود والنصارى أن يؤمنوا بخاتم النبيين عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه ولو لهذا الدعم الرباني العظيم لرسالتي موسى وعيسى عليهما صلاة الله وسلامه

 

    نعم إن الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم يقوي الإيمان بالنبيين قبله بل ويدعمه عالمياً، وإن الإيمان بالقرآن يقوي الإيمان بكتب الله المتقدمة كذلك، حيث إنه لا يستطيع أحد مهما بلغت عدواته للدين أن ينكر بزوغ فجر الإسلام، وأنه تغلب في فترة وجيزة على أكبر دولتين في العالم آنذاك ألا وهما الفرس والروم، أو أن يداخله شك في سلامة القرآن من التحريف أو التبديل من أول نسخة إلى آخر نسخة وحتى يقضي الله على هذه الأرض ومن عليها مصداقاً لقوله سبحانه: } إن علينا جمعه وقرآنه ~ فإذا قرأناه  فاتبع قرآنه ~ ثم إن ّ علينا بيانه { 17-19/القيامة

 

    علماً بأن أول نسخة من القرآن بخط يد الخليفة الثالث عثمان بن عفان موجودة بمصر اليوم، كما توجد نسخة مماثلة لها تماماً بخط الخليفة الرابع علي بن أبي طالب – كلتاهما محفوظتان بمسجد بالقاهرة يسمى باسم الحسين بن علي – شهيد كربلاء – رضي الله عنه وأرضاه.

 

وإذا كان بعض أعداء الدين يشكون في ظهور النبيين الكريمين موسى وعيسى عليهما صلاة الله وسلامه، فإن القرآن الكريم لهم بالمرصاد إذ أنه يبطل عليهم حججهم.

 

 ثم إذا كان هناك جماعة تدعي أن الله مات وحجتهم في ذلك إدعاء أتباعه بألوهيته وموتته الأولى، أي أنه إذا كان المسيح إلهاً كاملاً وقد مات للمرة الأولى ثم عاد إلى الحياة، فما الذي يمنع من أن يموت للمرة الثانية ؟

 

عودة السيد المسيح إلى الأرض:

نعم.. إن المسيح رسول الله وكلمته لا بد وأنه سيعود إلى الأرض ويموت فيها مصداقاً لقوله سبحانه: } إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ~ ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين ~ {  54-46/ آل عمران

 

إذ يتبين من الآية الثانية معجزة السيد المسيح في كلامه مع الناس أولاً وهو في المهد طفلاً، والعجزة الثانية في كلامه مع الناس وهو في سن الكهولة وذلك بعد عودته إلى الأرض ثانية.

 

ولولا ذلك لما كان الكلام في سن الكهولة معجزة مماثلة لمعجزة الكلام في طفولة المهد دفعاً لاتهام والدته العذراء البتول سيدة نساء العالمين. وإن الله سبحانه يدفع الاتهام عن هذه السيدة الكريمة في كثير من آيات كتابه الكريم أذكر منها الآية 59 من سورة آل عمران: } إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~ {

 

وأذكر بهذه المناسبة بيتاً من الشعر للشاعر السوري الشيخ يوسف النبهاني رداً على من يستنكر ولادة السيد المسيح بدون أب:

 

فلولا برى الله المسيح فغيره                لتكملة الأجناس أربعة طرا

 

    والظاهر من الشطر الأول: فولا برى الله المسيح فغيره.. لهذا النوع الرابع المتمم للثلاثة المتقدمين عليه وهم: آدم خلق من غير أم ولا أب، وحواء خلقت من أب دون أم.. وباقي الخلائق من أم وأب، فجاء السيد المسيح عليه السلام من أم دون أب تكلمة للجناس الأربعة كما جاء في الشطر الثاني: لتكملة الأجناس أربعة طرا.

 

ولادة السيد المسيح معجزة ربانية:

وإنه لا يخفى ما في ذلك من بيان قدرة الله سبحانه، وإنه جلّ شأنه فوق القواعد والسنن، وأنه على كل شيء قدير } لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون {    23/ الأنبياء

 

الإسلام كلمة ومعنى.. يشمل الدين كله   

    ويعلم الله أني كنت أدعو إلى التقاء أصحاب الأديان في كتاباتي منذ ثلث قرن أو يزيد، على أني أحمد الله اليوم إذ أرى الكثيرين يدعون إلي ذلك بما فيهم رؤساء دول وحكومات.. في الجنوب والشمال، والشرق والغرب، علماً بأن القرآن الكريم قد نعت الرسل المتقدمة ومن تبعهم بإحسان في الإسلام، وختم النبوات بمحمد r مصداقاً لقوله سبحانه – مخبراً عن دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل أثناء قيامهما ببناء البيت الحرام: } ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة ً مسلمة ً لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم {     128/ البقرة

 

وعن طاعة نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام عندما أمره سبحانه بأن يسلم في الآيات 131و132من نفس السورة:} إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~ ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا ّ وأنتم مسلمون ~ {

 

وبأمره سبحانه اتباع محمد r في الآية 136 من السورة نفسها: } قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ~  {

وعن قول بلقيس ملكة سبأ عندما أقبلت على نبي الله سليمان طائعة:  } قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين {  44/ النمل

وقد جمع سبحانه الدين الحق كله في قوله جل ّ شأنه: } إن الدين عند الله الإسلام {    19/ آل عمران

وقد عرف المصطفى r بقوله ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ووصف النبي r الدين كله بقوله: ( الدين المعاملة )، و( الدين النصيحة ), وقال سبحانه: } ومن يتبع غير الإسلام دينا ً فلن يقبل منه {  85/ آل عمران

    وعليه فإن الإسلام اسم عام لدين جميع رسل الله ومتبعيهم بإحسان، وقد تسمى به متبعو خاتم الأنبياء محمد r.. وأن هذه التسمية صادرة عن أبي الأنبياء إبراهيم خليل الله عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، بشهادة القرآن العظيم في ختام سورة الحج  : } وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير {  78/ الحج

 

فكان هذا الاسم معروفا لهذا الدين الرباني المهيمن، الذي هو امتداد لدين أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه وعلى آله من النبيين وعباد الله الصالحين صلاة الله وسلامه.

 

نبوة خاتم النبيين r في التناصر بين المسلمين والمسيحيين

        وكم كنت فرحاً وأنا أطلع على حديث لرسول الله وخاتم النبيين r يتنبأ بتناصر في الدين بين متبعي محمد والمسيح ويبشر بوحدة المسلمين، فينصرون الروم على عدو مشترك، ونكون حصيلة التناصر ولا شك نصراً عظيماً على الظلم والإلحاد والكفر والفساد.  والحديث  الشريف هو:

 

( ستصالحكم الروم صلحاً آمناً ثم تغزون وهم عدوا فتنصرون وتسلمون وتغنمون ثم تنصرون الروم حتى تنزلوا بمرج ذي تلول فيرفع رجل من النصرانية صليباً فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك يغدر الروم ويجمعون للملحمة )

 

عن ذي مخمر من أصحاب النبي r  في مستند ابن حنبل صفحة 91 من المجلد الرابع.

 

ومن يدري غير الله سبحانه ما إذا كان الموقف في أفغانستان هو بداية للبشارة المرجوة بإذن الله، وكذلك الأمر بالنسبة للمؤتمر الإسلامي الأخير في مكة المكرمة، لا سيما وإننا نرى الغرب الذي كان بالأمس القريب يرسل الموجات التبشيرية لمختلف البلاد الإسلامية يستقبل اليوم الموجات الإسلامية التبشيرية كلما وجدت، ويرحب ببناء المساجد في بلاده بارتياح وتعاون مجد، وأن المبادرة في التناصر بين العالمين الإسلامي والمسيحي ولا سيما على المستوى الدولي – واردة، وأن وحدة المصير تؤيد ذلك. نسأله سبحانه أن يجعلنا جديرين بوعد الله الحق سبحانه بنصر المؤمنين وذلك لقوله سبحانه: } وكان حقاً علينا نصر المؤمنين {     47/ الروم

 

ومع هذه البشارة العظيمة من خاتم أنبياء الله r. فقد جاء فيها تنبيه وتحذير لما يحصل عادة بعد النصر بين المتلاقين في حرب عدو مشترك،وذلك بقيام غراب بين ناعق غير مقدر عن جهل وتعصب، أو عن غرض ومرض فيقول غلب الصليب.. فيقابله أحد أفراد المسلمين فيدفعه فتنتزع العقول من ذوي العقول، وتتغلب الدهماء والغوغاء على الموقف، وعندئذ يبلغ السيل الزبى ويسبق السيف العذل. ولا بد وأن تعود العقول إلى أصحابها بعد الواقعة، ولكن لا ينفع الندم بعد الملحمة لا سمح الله أو أن الله يسلم وتعود العقول قبل ذلك.

 

البناء الهرمي أقوى أشكال البناء

       وإذا كان مثل هذا الخلاف معروفاً بين المتلاقين بعد النصر على عدو مشترك.. أفلا يظهر من  ذلك أن مجرد الالتقاء على وحدة المصالح والمخاطر ووحدة المصير لا يكفي ؟ بل يجب أن يتعدى ذلك الى تحاب صادق وتعاون شامل كما لو كانوا قوة واحدة وأمة واحدة لها ضوابط متينة لحماية الأقلية من ذوي العقول والحجا، من طغيان غوغائية الأكثرية –  وللمحافظة على بقاء البناء هرمياً لتحمل قاعدة الأمة قمتها كي تستظل بها وتستنير بنورها من سراج معلق بالوسط الأعلى تدعمه ثريات متعددة من حوله أو فتحة في القمة يدخل منها نور النهار، فينعكس على القاعدة كلها من مرايا نظيفة حول القمة. وما تزال الأمم بخير ما دامت القلة الطيبة في قمتها مصداقاً لقوله سبحانه:} قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون {    100/ المائدة

 

     وكذلك الأمر في إمامة رسول الله وخاتم النبيين للمؤمنين في الصلوات الخمس وقوله r:  ( ليلني أولو الأحلام والنهي )، أي بدءاً من الوسط في الصف الأول من صفوف المصلين خلفه r ويكون في ذلك أسوة طيبة وقدوة حسنة ومثال طيب لمن يتولون الأمر من بعده.

 

اليهود عزلوا أنفسهم فأبعدهم الله

   يظهر من الحديث المتقدم استبعاد اليهود الذين عزلوا أنفسهم عن الإيمان بالمسيح والإيمان بمحمد مع أن النبيين الكريمين مذكوران عندهم في التوراة ويؤمنون بهما إلا أنهم يدعون أنهما لم يأتيا بعد  فأبعدهم الله من هذا التناصر الذي سيتم بين أصحاب هاتين الديانتين السماويتين بإذن الله.

 

فعلى أصحاب هاتين الديانتين أن يستفيدوا من هذا الإنذار وأن يحاذروا من الوقوع فيما حذرنا منه الرسول الكريم r، وأن يتلافوا كل خلاف قد يؤدي إلى فتنة بين الأخوة. وإذا كان التناصر لا بد منه تجاه الأكثريات اللادينية المفسدة.. أفلا يجب أن يكونوا أكثر اتحاداً وأصدق إيماناً وأكبر تعاوناً، وأن يتدارسوا أمرهم فيحلوا جميع المشاكل المختلف عليها –  محكمين العقل والنقل والضمير والمنطق في ذلك بدون تعصب مغرض أو جدل فارغ. وأن يتم هذا البناء السليم والتعاون القويم بين الأمتين معاً عن طريق أقليات مؤمنة منتخبة لا يأخذها في الله لومة لائم من الأكثرية الغوغائية والإمعات لا سيما وقد تم قبل ذلك.

 

لقاء واندماج بين المسيحيين والرومان  

   وأن الشيء بالشيء يذكر، فقد تم فعلاً في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي اندماج بين الرومان والمسيحيين في تثليث موحد قام به اثنان: أحدهما هو القيصر قسطنطين الأكبر، والثاني شماس في الكنيسة هو أثناسيوس، وكان هذا الاندماج في مؤتمر " نيقيا " حيث التفت الدهماء حولهما، والتقت الأمتان على تثليث موحد بإيحاء من القيصر، وبلاغة أثناسيوس، ومناصرة الدهماء. وكان التثليث الروماني يتكون من: الله، والعقل،  والروح، وقد أضفى هذا المؤتمر علي السيد المسيح صفات متعددة لا تجوز إلا لله وحده ليحل المسيح محل العقل عند الرومان، كما أكد المؤتمر الإيمان بالروح القدس – لتحل محل الروح عند الرومان كذلك، فكان التثليث المسيحي متكوناً من الأب والابن والروح القدس.وعليه فقد أعلن الإمبراطور الروماني أن دين الدولة هو المسيحية كما سيأتي ذلك مفصلاً عندما نتطرق إلى الحديث عن مؤتمر " نيقيا  " بإذن الله،وذلك بعد الحديث عن الصلب والصليب وخلود الخطيئة.. تلك الأمور التي بقدر ما هي مألوفة لدى المسيحيين اليوم، بقدر ما ينفر منها المسلمون.

 

الصلب والصليب

   لقد كان الصلب من الوسائل الشائعة في عصور ما قبل المسيحية – كعقوبة توقع على الأفراد ، واستمر كذلك حتى بعد ظهور المسيحية. وبعد الصلب الذي وقع على شبيه السيد المسيح – اعتبروه رمزاً للانتصار على الموت.. أو بتعبير آخر – الانتصار على الماديات الدنيوية.

 

وقد انتهت عمليات الصلب نهائياً بين الرومانيين في عهد الإمبراطور قسطنطين الأكبر الذي جعل المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية.

 

والصليب هو تقاطع بين خطين مستقيمين مكونين زاوية قائمة. وقد استعمل الصليب كشعار ديني منذ الأيام الغابرة في العصور الأولى، ولكنه أصبح أكثر شيوعاً في المسيحية الحديثة التي يعتبر شعارها الأساسي. كما أنه من اسهل الأشياء التي يستعملها الأطفال في عمل الدمى التي يلعبون بها، وكذلك الحال بالنسبة للبدائيين في عباداتهم وتقديسهم، إذ لا يكلف عمل الصليب أكثر من عودين يربطان ببعضهما.

 

      وكلمة الصليب مشتقة من الصلب أو العكس ،وقد كان الصليب رمزاً مقدساً في الأزمنة القديمة بمعان متعددة. فإنه عند أهالي قرطاجة وعند الفينيقيين كان يستعمل كأداة للتضحية للمؤله " بال " كما اعتبره الفرس تعويذة ضد الشر والموت. أما في أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية فكان الأهالي يعبدونه كرمز للمطر، كما كان الغاليون ( سكان فرنسا القدماء ) يعتبرونه منحة من الشمس لأجل تقوية الإخصاب.

 

    وإذا جاز للوثنيات المختلفة لجهلها تقديس رمز الصليب وعبادته كوثن  والأوثان كلها رموز مقدسة، فإن مثل ذلك لا يصح من أتباع المسيح لا سيما وأن المسيح صاحب رسالة توحيد ربانية شأنه شأن إبراهيم وموسى من قبله ومحمد من بعدهم، عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، علماً بأن في تقديس الصليب تقديساً لصانعيه ومنفذي الصلب – أعداء السيد المسيح – كما أنه لا يخلو من نوع من أنواع الردة نحو الوثنيات المقدسة للصليب من أقدم العصور، وانحراف عن دين إبراهيم وآل إبراهيم، ولا سيما توراة موسى التي يؤمن بها المسيحيون إيمانهم بالإنجيل.

 

الصلب والمسيح

   إن الصلب قد وقع فعلاً من أعداء السيد المسيح،وقد كان المنفذون للصلب يعتقدون أنهم قد انتصروا وأوقعوا الصلب على المسيح نفسه. كما كان أكثرية المشاهدين لعملية الصلب يؤمنون بذلك، ومن حقهم هذا حتى يتبين لهم العكس كأن يكون في الأمر معجزة ربانية خفيت على منفذي الصلب ومشاهديه معاً. وان أجدر وأولى من يظهر الحقيقة دون أدنى شك أو ريبة رسول من الله يأتي بعد الحادث يبين للمؤمنين حقيقة الأمر، خاصة إذا كان هذا الرسول أخاً للمسيح.. يؤيد دعوته، ويقدره حق التقدير، ويدافع عنه وعن السيدة والدته.. ويكون هذا الدافع من صميم دعوته التي جاء بها ألا وهو خاتم النبيين محمد رسول الله r وقد عرف الحقيقة من آمن به من بقايا الأريسيين الشرقيين من متبعي آريوس، وربما غالبية المسيحيين ما عدا أغنياء منهم رضوا

بالحماية مقابل دفع جزية رمزية يسيرة  بالنسبة لما يتحمله المؤمن من فريضة الزكاة والجهاد بالأنفس والأموال التي لا حدود لها وقت الشدائد. (علماً بأن كل ما استلمه أبو عبيدة بن الجراح قائد الجيوش على سوريا كجزية ممن أحب البقاء على دينه كان أربعة آلاف دينار وعندما أقبل معتد على سوريا أعاد إليهم المبلغ، فاستغربوا ذلك منه فكان جوابه فيما معناه : لقد أخذت هذا المبلغ منكم لقاء دفاعي عنكم وأخشى ألا ّ أنتصر على المعتدين، وعليه أعيد لكم المبلغ اليوم، وإذا وفقت ونصرت فسأستعيده منكم بإذن الله.  وقد نصره الله واسترد الجزية)  وقد أشار إلى مثل ذلك الأستاذ فارس الخوري الزعيم المسيحي السوري في بعض خطبه، محملا ً المسلمين مسئولية بقاء المسيحيين بينهم.

 

من دفاع القرآن العظيم عن السيد المسيح والسيدة العذراء والدته وتأييده لدعوته ومعجزاته

     لقد أنكر القرآن العظيم والرسول الكريم على اليهود بهتانهم على السيد المسيح وأمه العذراء البتول سيدة نساء العالمين، في آيات كثيرة من كتاب الله أذكر منها قوله سبحانه: } وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناًعظينا ~ وقولهم إناّ قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا ّ اتباع الظن وما قتلوه يقيناً ~ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيما ~ {      156- 158/ النساء

 

    على أن الإسلام لا يختلف مع المسيحية في وقوع الصلب.. إلا أنه يختلف معهما في شخص المصلوب، وأن الصلب وقع على شبيه للسيد المسيح وإنقاذاً له من يد الإجرام أن تلوث جسده الطاهر. ولا يختلف معهما أيضا ُ في أن المسيح قد رفع إلى السماء لأن ذلك وارد في القرآن أيضا  كما جاء في الآية 158/النساء.

 

     كما لا يختلف الإسلام مع المسيحية في معجزة تكلم المسيح في المهد ولا في معجزته الكلامية الثانية بعودته إلى الأرض يكلم الناس كهلاً، علماً بأنه قد رفعه الله سبحانه إليه قبل بلوغ سن الكهولة. ولا يختلف معهما في تأييده بروح القدس، ولا في علاجه للمرضى وإحيائه الموتى. وكذلك في عمله شكل طير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وكذا بانتصاره على بني إسرائيل وذلك لكفرهم به وادعائهم بأن ما جاءهم به من البينات والمعجزات سحر.

 

     كما جاء في كثير من آيات كتاب الله أذكر منها آية واحدة تشمل فيما تشمله كل ذلك وهي الآية 110 من سورة المائدة: } إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~ {   110/ المائدة

 

لا تخلو المسيحية من جماعات باقية على العهد، موحدة لله في مختلف عصورها

      فلقد ظهر في القرن الثاني الميلادي جماعة أطلقت عليها الكنيسة اسم الهراطقة أو المنشقين  من بينهم أتباع مذهب الغنوسطية. وكان مما نادوا به أن الله غير مشخص ولا مجسم، وأنه لا يمكن وصفه إلا بالنفي، وإن المسيح لم يصلب وإنما الذي كابد وعانى بدله في عملية الصلب هو سمعان القوريني، وأن السيد المسيح وقت الصلب كما يقول – بازيليدس وأتباعه – كان يقف جانبا وهو يضحك . ( مأخوذ من كتاب تاريخ الكنيسة المسيحية  صفحة 106، الذي كتبه الأكليركي " أ. ر. ويتهام " الرئيس الأسبق لكلية كولهام البريطانية بجامعة أكسفورد، والكاهن بالكنيسة ) .

على أن الإسلام يعتبر مثل هؤلاء هم المسيحيين الحقيقيين، وذلك لوجود مماثلة بين إيمانهم وإيمان المسلمين. وفي قولهم أن الله لا يوصف إلا ّ بالنفي.. فهذا وراد في مفتاح العقيدة الإسلامية: لا إله إلا الله. وأنه لا معبود بحق سوى الله. وكما جاء في سورة الفاتحة:  } إياك نعبد وإياك نستعين ~ {    4/ الفاتحة  

 

أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين بسواك، وقوله سبحانه: } ليس كمثله شيء وهو السميع البصير~ {      11/ الشورى

وفي النفي ما يضمره الإنسان إذا أطلق على الله سبحانه صفة من صفات كمال الله كقوله إن الله كريم فعلبه أن يضمر أنه ليس ككل كريم أي أن الله سبحانه ينفرد بكل صفات الكمال الأزلية اللانهائية المطلقة ، وأن الصفات الطيبة للإنسان تكون كسبية نسبية واحدة.

 

لعل المصلوب هو يهوذا الاسقريوطي

    كما أنهم يعتقدون مثلما يعتقد المسلمون أن المصلوب هو غير السيد المسيح، وقالوا إنه سمعان القوريني. على أني أميل إلى قول الشيخ محمد عبده وغيره ممن يقولون أن المصلوب كان يهوذا الاسقريوطي، وما جاء مثل ذلك في ( إنجيل برنابا ) غير المعترف به من الكنيسة، وذلك لأن يهوذا الاسقريوطي يستحق الصلب لخيانته السيد المسيح بإرشاد أعدائه عليه بقصد صلبه،

 أولاً.. فكان جزاؤه وفاقا. والأمثال على ذلك كثيرة ومعروفة بين الناس. وقول سبحانه أبلغ من كل قول:  } ولا يحيق المكر السيء إلا ّ بأهله {    43/ فاطر

 وثانياً.. وجود دريهمات الفضة التي أخذها الاسقريوطي الخائن نظير خيانته مع المصلوب أو قريبة منه. وقد تم شراء أرض بها من بعده، سميت بأرض الدم، ولا تزال هذه الأرض موجودة  وقد قدم منها عرق زيتون للبابا الراحل عندما زار القدس.

 

وثالثاً.. أنه لم يعثر على أثر للأسقريوطي حياً أو ميتاً حتى اليوم.

 

    ثم إذا كان الأسقريوطي قد دخل على المسيح للدلالة عليه ثم صلب أحد الإثنين ونجا الثاني بمعجزة فمن يكون أولى بالمعجزة غير السيد المسيح عليه السلام لا سيما أنه كان موجوداً يضحك وقت الصلب وفقاً لرواية أتباع بازيليدس كما تقدم. وأنه قد رئي بالفعل بعد الصلب ولم ير الآخر حتى اليوم.. فمن يكون المصلوب يا ترى ؟ أهو الموجود أم المفقود ؟ لا سيما إذا كان تأييد رواية خروج المسيح من القبر بعد صلبه بثلاثة أيام تكفيراً لخطيئة أدم –  ناتجاً عن رؤيا منامية من عدو سابق للسيد المسيح والكنيسة المسيحية  إلى ما قبل هذا القول مباشرة، مما جعل الكثير من المسيحيين يتشككون في أقواله خوفاً من أن تكون اتجاهاً جديداً لاستمرار عدواته للمسيح والمسيحيين، ألا وهو بولس الذي سيأتي الكلام عنه فيما بعد، وأن الإيمان بالصلب وبالخروج من القبر لم يتم رسوخه إلا بعد أن أخذ بولس مكانته بين المسيحيين.

 

من الجماعات المسيحية المعتدلة نسبيا:

     كما ظهرت في القرن الثاني أيضاً جماعات كانت تعتبر السيد المسيح رجلاً مقدساً اختاره الله كابن ( متبنى من الله )، يمكن تقديسه وإعطاؤه ألقاباً إلهية، ولكنه مع ذلك مخلوق آدمي وليس بإله حقيقي خالد. وقد لاقت هذه الجماعة وآراؤها رواجاً كبيراً في القرن الثالث لأنها كما جاء في كتاب ( تاريخ الكنيسة المسيحية ) في صفحة 184 فيها منطق (وقد استعرنا كتاب " تاريخ الكنيسة المسيحية " من مكتبة الأخ حسن سعيد الكرمي في لندن وقد اطلع عليه الأستاذ عبد العزيز كامل وزير الأوقاف السابق بمصر والموجود الآن بالديوان الأميري بالكويت).

 

كما أن هناك جماعات كثيرة لها آراء مختلفة حول صلب السيد المسيح، مصداقاً لقوله سبحانه في الآية 158 المتقدمة من سورة النساء. وقد روى عن السيد المسيح نفسه عندما شوهد بعد وقوع الصلب  وقيل له: ( إنك صلبت ومت ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!! ) فكان جوابه: ( ها إنكم ترونني ). والمعنى أنه لو أنني صلبت ومت لما رأيتموني بينكم.

الخطيئة الخالدة:

        إن المنطق والقضاء لا يقبلان خلود الخطيئة أو معاقبة أحفاد ولدوا عن جريمة أجداد ماتوا قبلهم  وبهذه المناسبة.. فقد زارني في لندن عند بدء كتابتي حول هذا الموضوع أحد الإنجليز المسيحيين.. بيننا وبينه بعض العمل، هو مستر بازيل بويد، وفد وجهت إليه هذا السؤال: لماذا يكون المسيح ابن الله.. ولم يصلب ؟ فكان جوابه: لإنقاذ البشرية من خطيئة آدم: فقلت  له بإنجليزيتي الضعيفة:"Too Late  " أي ( متأخر جداً ) فضحك كثيراً وقال : هكذا علمتني أمي وهكذا سمعت في الكنيسة ولا أعرف غير ذلك.

 

    وعندئذ قلت له: إن معنى ذلك ( أغمض عينيك واتبعني ) فظهر عليه شيء من الحيرة وقال إنه لم يفكر يوماً في هذا الموضوع لأنه مسلم ٌ به عنده، أخذه عن آبائه وأوصله إلى أبنائه وهكذا.

 

وكان معنا في جلستنا السكرتير المرافق الأستاذ وجيه الشريف – الذي يجيد الإنجليزية، والذي كان يوضح لي كلام مستر بويد كما كان يوضح كلامي له. فقال لمستر بويد إن معظم معارفه من المسيحيين سواء في مصر أو في الخارج – على مختلف طوائفهم بكاد يكون جوابهم كجوابه تماماً عند الحديث معهم حول موضوع الدين. فأجاب مستر بويد بأنه شخصياً وكثيرين غيره لا يفكرون جديا ً في بحث هذا الموضوع وأنهم لا يجدون الوقت الكافي أو الاهتمام الزائد للتفكير في مثل ذلك فقال له السكرتير: بعد ذلك: إن عدم الاهتمام وعدم التفكير يجعل المرء معرضاً للتسليم والاقتناع لكل مناقش، كما يجعله سهل الانقياد لكل داع.

 

      ولذا فإن الخوف على أمثال هؤلاء من الانقياد إلى دعاة المبادئ الهدامة والعقائد الشيطانية عقائد الإلحاد والفساد، وهذا أخوف ما نخاف عليكم منه وأنه لو كان للإسلام دعاة مخلصون يطرقون الأبواب كغيرهم من دعاة الفساد والإلحاد لدخل الناس في دين الله أفواجا، لأن العصر عصر تفكير وعلم. ومما قاله مستر بويد.. إن الخطيئة الخالدة هي قاعدة، وأن في هدمها هدماً للعقيدة المسيحية. فأجابه السكرتير: لا شك بأن الدعوى بأن المسيح ابن الله وأنه صلب – كانت على أساس هذه القاعدة  فإذا ما هدمت القاعدة انهار البناء.. ونرجو ألا ّ يكون هذا الانهيار إلا إلى خير.. وانتهى بذلك هذا الحوار وقد وجدت أن ما قاله السكرتير كان وكأنه يترجم ما قلته أو كنت أود أن أقوله.

 

        وإن الشيء بالشيء يذكر ففي إحدى زياراتي لمدينة ميونيخ، طلبت من سائق تاكسي أن يمر بي على متاحف المدينة ، وتكاد تكون  جميع المتاحف التي مررنا بها مكونة من تماثيل دينية. وعندما وصلت إلى تمثال منسوب إلى السيدة العذراء قال لي: هذه أم الله. فسألته: هل تعني الله خالق الكون ؟ فأجاب نعم. فسألته سؤالين أحدهما: كم تظن عمر الكون ؟ فقال: بلايين السنين.

 

وهنا سألته السؤال الثاني: كم تظن عمر السيدة العذراء أم المسيح عليهما السلام ؟ فامتعض من سؤالي الثاني ولم يجاوبني عليه.

 

وعندما مررنا بجوار تمثال آخر منسوب أيضاً للسيدة العذراء، وجه إليها يديه عاقفاً أصابعه العشرة نحوها، فشعرت من ذلك تأثره من سؤالي وداخلني بعض الأسف لذلك قائلاً في نفسي إن على الإنسان ألا يهدم بناء ً قائماً حتى يكون مستعداً للقيام ببناء أفضل منه كبديل عنه – كي لا يحتل الفراغ دعاة الإلحاد والفساد.

حول تبرئة الفاتيكان لليهود من خطيئة الصلب

    وأعود فأقول، لقد برأ الفاتيكان يهود اليوم من خطيئة من اشترك في صلب المسيح من آبائهم. وإن هذه التبرئة سليمة بالنسبة للمنطق والدين والقضاء، وإن فيها تأييداً كبيراً لكل من ينفي البنوة والصلب عن السيد المسيح، وهدماً لكل من يخالفهم بما في ذلك دويلة الفاتيكان نفسها إذا كانت مع هذه التبرئة تؤمن بالبنوة والصلب القائمين على أساس خلود الخطيئة. وللتوضيح نقول إنه إذا كانت الخطيئة الخالدة قاعدة أساسية لبنوة المسيح وصلبه، ثم يأتي هدمها من مركز كبير للمسيحية أفليس في ذلك هدم للبنوة والصلب يا ترى ؟

الإسلام لا يقر خلود الخطيئة

   إن الإسلام على عكس ذلك، فإنه يعتبر الآباء والأجداد هم المسؤولون عن خطيئة الأبناء والأحفاد وذلك إذا لم يحسنوا تربيتهم وتعليمهم وتوجيههم الوجهة الصالحة السليمة باتباع الدين القويم، والصراط المستقيم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وليكونوا هم قدوة صالحة لهم لأن الأديان في العالم وراثية على الأغلب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التابعين والمريدين والمقلدين وتابعيهم مسئولية متوارثة إلى يوم الدين. وآيات كتاب الله في هذا المعنى كثيرة أقتطف منها قوله سبحانه في الآية 25 من سورة النحل:

} ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون { 25/ النحل.

 

والظاهر من قوله سبحانه:  } ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون {  إنها بعض أوزار التابعين لا الأوزار كاملة.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: من الذي يحمل باقي الأوزار إذن ؟ ولعل الجواب فيما يظهر أن الجزء الباقي من الأوزار يحمله الأتباع أنفسهم لاستسلامهم لما ورثوه دون نظر أو تفكير، ويشترك معهم في حمل الوزر ورثة كتاب الله وسنة رسوله من أتباع خاتم النبيين r فيما إذا لم يواصلوا المسيرة في أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، وبث الدعوة ونشر العلم، مصداقاً لقوله سبحانه في الآية 15 من سورة الإسراء: } ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ~ {

 

وأن ميراث الرسالة بعد خاتم النبيين هو لمتبعيه العاملين بهديه r مصداقاً لقوله جل ّ شأنه: } قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين~ { 108/ يوسف

 

وفي مقابل ما جاء بالآية 25 من سورة النحل – قال سبحانه في الآية 21 من سورة الطور: } والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ  بما كسب رهين ~ {

 

إذ يظهر من قوله سبحانه:  } وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين {

 

أي  ما أنقصنا من عملهم من شيء كما ننقص من عمل من لم يحسن تربية أولاده وتابعيه، وإن هؤلاء قد أحسنوا تربية أولادهم الذين كانوا معهم في حياتهم الأولى وسيكونون معهم في حياتهم الثانية في جنات النعيم. أما الأحفاد وأحفاد الأحفاد الذين جاءوا من بعدهم.. فإن الأجداد يؤجرون  عن كل متبع لهم بإيمان واستقامة وإحسان، ولا يسألون عنهم فيما لو حادوا عن الطريق السوي فيما بعد، حيث لا يسأل المرء إلا عما كسب، يؤيد ذلك قوله سبحانه في ختام الآية:   } كل امرئ بما كسب رهين ~ {

 

وكما يشمل الاتباع في مواصلة الرسالة قوله سبحانه: } وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً {    15/ الإسراء

 

فإن الآيات المتكررة في قوله جل ّ شأنه: } وما على الرسول إلا البلاغ المبين ~ { 18/ العنكبوت

 

تشملهم أيضاً فيما إذا أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ونشروا الدعوة على النحو الذي يرضاه لهم ربهم وخالقهم سبحانه، وكذلك الأمر بالنسبة للرسول r فإنه لا يسأل عن أحفاد وأتباع الذين قامت عليهم الحجة ببلوغ الدعوة إليهم بعد انتقاله r إلى الرفيق الأعلى.

 

وقد أمرنا سبحانه أن نستعين بدعائه على إصلاح أزواجنا وذريتنا من جملة صفات متعددة يتحلى بها عباد الرحمن ومنها قوله سبحانه: } والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما~ {  74/ الفرقان

 

علماً بأن محمداً رسول الله وخاتم النبيين r كان يهلك نفسه خوفاً من المسئولية أمام الله من جهة وشفقة وتحسراً على الذين لم يؤمنوا من عذاب يوم القيامة من جهة ثانية، ويظهر ذلك من قوله سبحانه: } أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون~ {  8/ فاطر  

 

ومن قوله سبحانه في الآية الثالثة من سورة الشعراء: } لعلك باخع نفسك ألا ّ يكونوا مؤمنين ~ {  3/ الشعراء

 

ويظهر من الآيات بعدها أنها تشهد للرسول r  بالقيام بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة على الوجه الأتم  وأنه r قد قام بما كلف به، وإن حسابهم على الله وحده سبحانه. كما أن الرسول كان يهلك نفسه أسفاً على أولاد من لم يؤمن برسالته وأحفادهم وأتباعهم وكل المتأثرين بهم من بعدهم مصداقاً لقوله سبحانه في الآية السادسة من سورة الكهف: } فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً {  6/ الكهف

 

هذا وإن سورة " الكافرون " تكاد تنفرد بهذه المعاني وأرجو أن أستعرض ما يتبين منها في آخر البحث بإذن الله.

التثليث

    إن التثليث محبب إلى النفوس في الأسماء كاعتبار الاسم الثلاثي كاملاً، والثنائي ناقصاً، والرباعي زائداً. وكذلك الأمر بالنسبة للشعارات الدينية والقومية والثورية والوطنية.  وللمثال.. فقد كان شعار الثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة. وكان شعار الثورة المصرية : الاتحاد والنظام والعمل. وشعار مصر قبل الثورة: الله، الوطن، الملك. وكان التثليث في الشعارات الدينية معمولاً به في الرومانية والمسيحية، وقبل ذلك وبعده . وكانت المسيحية تؤمن بالله والمسيح والروح القدس، إلا أنها لم تساو بينهم كأن يكون الله إلهاً كاملاً جل ّ جلاله وتجعل من المسيح إلهاً كاملاً أيضاً. ومن الروح القدس إلهاً كاملاً كذلك وإن هذه الآلهة الثلاثة تساوي إلها  واحداً.. إلا بعد مؤتمر " نيقيا ".

مؤتمر " نيقيا " ( تركيا – آسيا الصغرى )

   عقد هذا المؤتمر في القرن الرابع الميلادي وعلى وجه التحديد في سنة 325 في مدينة " نيقيا " وكان أعضاء المؤتمر ينقسمون إلى ثلاث مجموعات: يمين.. ويسار.. ووسط (وان ما كان يطلق من أسماء اليمين واليسار والوسط كان نقلا عن الكتاب أي أن ذلك كان بالنسبة لما يرومه قسطنطين الأكبر من العمل للادماج المسيحي الروماني) . فكانت مجموعة اليمين بالنسبة لقرارات المؤتمر مكونة من حوالي ثلاثين عضواً يرأسها الكسندر رئيس كنيسة الإسكندرية.

 

   وكانت مجموعة اليسار المعارضة لقرارات المؤتمر وعدد أعضائها حوالي خمسة عشر عضواً يرأسها ازبيوس من نيكوميديا وكلهم من أتباع أريوس المتمسكين بتعاليمه. أما المجموعة الثالثة الوسط وهي الأغلبية والتي تسمى أحيانا  بالمحافظين فكان يرأسها ازبيوس من شيزاريا، وهم من الأريسيين المعتدلين أو من أنصاف الأريسيين.

 

وقد كان اثناسيوس وهو من أهم جماعة من اليمين منصباً وبلاغة شماساً في الكنيسة في ذلك الوقت. ولم يكن له الحق بالتصويت، إلا ّ أن بلاغته الخطابية ولقاءه مع القيصر في الفكرة، وكذا تأثيره الكبير على الدهماء جعلت منه الرجل الأول في انتصار جماعة اليمين بالنسبة لقرارات المؤتمر بدون منازع ، ويمكن القول بأن له الدور الأول فيما توصل إليه المؤتمر من قرارات.

والتي جاءت فيها البنود التالية:-

·        إننا نؤمن بإله واحد هو الرب القدير

·        خالق جميع الأشياء سواء المنظور منها وغير المنظور

·        ونؤمن برب واحد هو يسوع المسيح

·        ابن الله

·        الذي ولد كولد وحيد للأب أي من نفس جوهره

·        رب الربوبية

·        نور الأنوار

·        الإله الحق للألوهية الحقة

·        الذي ولد ولم يصنع

·        من نفس جوهر الأب

·        ومن خلاله خلقت جميع الأشياء في كل من السماوات والأرض

·        والذي من أجلنا نحن البشر ومن اجل خلاصنا

·        نزل

·        ثم تجسد

·        في صورة إنسان

·        وتعذب

·        ونهض ثانية في اليوم الثالث

·        وصعد إلى السماء

·        وسوف يعود ثانية

·        ليحكم بين الأحياء والأموات

·        ونحن نؤمن بالروح القدس

 

     ولقد تقدم أن الإيمان بالله والمسيح والروح القدس كان كلاً على حدة قبل مؤتمر " نيقيا " ولم يكن الجمع بينهم بالتثليث إلا بعد المؤتمر . ولقد كان التثليث عند الرومان يتكون من الله والعقل والروح، وكان من الممكن الاكتفاء بألوهية المسيح طالما أعطى هذه الصفات التي لا تصح إلا للإله الحق سبحانه . إلا أن الإيمان بالله كان فيما يظهر لأمرين: الأول أن الإيمان بالله موجود قبل المسيح وبعده لا سيما في التوراة، والثاني للمماثلة مع التثليث الروماني، وقد جاء التركيز على السيد المسيح ليحل محل العقل عند الرومان، وجاء في آخر قرارات المؤتمر تأييد الإيمان بالروح القدس ليحل محل الروح عند الرومان أيضاً.

 

كما جاء في المؤتمر تساوي الآلهة الثلاثة: الله والابن والروح القدس،ومع هذا التساوي التام، فإن هؤلاء الآلهة الكاملة الثلاثة يعتبرونهم إلهاً واحداً كما تقدم.

 

وكان التثليث عند الرومان تثليثاً وثنياً لم يوحد بإله واحد. على أنه لا مناص للمسيحية من مخالفة الرومان في مثل ذلك أو أن يكفروا بالتوراة التي تقول بوحدانية الله، وقد كان التثليث مجاراة للوثنية الرومانية حتى ولو كان غير مقبول منطقياً أو رياضياً. كما كان التثليث بدعة في رسالات الله من آدم إلى محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه.

 

ولم يكن آريوس المتمسك في الإيمان بالله ووحدانيته الحقة رغم المؤثرات الثلاثة: سلطة الإمبراطور، وغوغائية الدهماء، وبلاغة اثناسيوس ليقبل ما جاء في مؤتمر " نيقيا " من التركيز على السيد المسيح بأمور لا تصح إلا لله وحده، ولا ليقبل الخلط واللبس فيما بين الله والمسيح وذلك بوصف يجعل منه الرب الواحد والابن الأوحد الذي ولد له من نفس جوهره، وأنه ولد ولم يخلق، وهو رب الربوبية والإله الحق للألوهية الحقة، وأنه تجسد في صورة إنسان بعد نزوله إلى الأرض كما لم يكن ليقبل وصف الله سبحانه بصفات لا تصل إلى ما وصف به السيد المسيح، وربما تتلاشى فيها، ويؤيده في ذلك جماعته المعارضة لقرارات المؤتمر برئاسة ازبيوس من نيكوميديا لأنها تمثل فكرة آريوس تماماً التي تقول أن الابن والروح القدس مخلوقان للأب، وأنه لا يمكن أن يكون المسيح من نفس جوهر الله ، ولا يمكن أن يكون مساوياً له في القدم أو الصفات أو الجوهر. وقد أجمع على رفض قرارات المؤتمر جل الاريسيين إن لم يكونوا كلهم.  

 

ولعل تسليم آريوس وأتباعه ببنوة المسيح لله كان مجازاً كما جاء في الحديث الشريف: (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله).

 

    وتعتبر جماعة ازبيوس من شيرازيا من المحافظين المعتدلين الوسط لآن معارضتهم كانت أكثر هدوءاً من معارضة آريوس وأتباعه وكانوا متعاطفين مع آريوس بعدم إقرارهم لوحدة الجوهر بين الله والمسيح، كما كانوا غير راضين تماماً عن كل ما تم في المؤتمر معتقدين أنهم على حق، وأن ما جاء في المؤتمر مجرد اتفاق جديد يقصد به الجمع بين الفرق المسيحية من جهة وبين المسيحية  ككل والرومان من جهة أخرى ، أو أن يكون المقصود منها اخذ المسيحية إلى جانب العقيدة الرومانية في تثليث مماثل للتثليث الروماني مع إظهار العكس،وذلك بإقرار المسيحية ديناً رسمياً للدولة الرومانية.

 

     وطالما تحدثنا عن التثليث فلا يفوتنا أن نشير إلى الثالوث المقدس عند قدماء المصريين، فثالوث آمون يتكون من: إيزيس وأوزوريس وحوريس، وثالوث رع يتكون من: رع وخنسو ونوفرتم، والثالوث المقدس في الوثنية الهندية القديمة: براهما وفشنو وسيفا.

 

وأصبح اسم الروم يعني المسيحيين، وقوانين الروم الوضعية هي قوانين المسيحية لرومانية أيضاً وإن الدفاع عن الروم يعني الدفاع عن المسيحية، وإن تعاون المسلمين مع الروم معناه تعاون المسلمين مع المسيحيين.

 

      وأمست طقوس دويلة الفاتيكان ولا تزال طقوساً رومانية كذلك، ولم يتدخل رجال الكهنوت في الشئون العامة اللهم إلا في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق وتحديد النسل، وما يتعلق بأعمال السحر والسحرة كالاتهام بالسحر ومقاومته، وتعميد الأطفال.. ويكتفى بشهادة التعميد لاعتبار الفرد مسيحياً. وقد تدخلوا في النظريات العلمية الحديثة كما حصل في محاكم التفتيش.

وأما ما عدا ذلك فمرجعه إلى القوانين الوضعية ، أي أن مسئولية الحقوق من حلال أو حرام بين الناس ليست أمام كتب الله كالتوراة مثلاً، بل أمام القانون، وكل محام وشطارته في المواد القانونية. أما الذمة والضمير فمرجعها خلق الفرد وسلامة طويته، والعكس صحيح أيضاً، وذلك كغيرهم من غالبية البشر كما ذكرهم الله سبحانه في كتابه الكريم: } ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدوه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدوه إليك إلا ما دمت عليه قائما {  75/ آل عمران.

 آريوس ومؤتمر " صور "
    ونعود فنقول إن طرد آريوس واثنين من أتباعه من الكنيسة – لامتناعهم عن التوقيع على قرارات مؤتمر " نيقيا " –  لم يحل دون مواصلة آريوس لرسالته ودعوته ضد قرارات مؤتمر " نيقيا "  شأن كل صاحب رسالة.
      فإنه لا يستسلم للفشل لمجرد هزيمته أما الدهماء – التي تكون في الغالب مدفوعة بالعواطف وحب الظهور والانسياق وراء بهرجة الأقوال وهتافات الجماهير لتكون شيئاً مذكوراً في مجتمعات الدهماء والمعارضة. وإن صاحب الرسالة الحقة لا يتأخر عن رسالته مهما خالفه المخالفون أو لامه اللائمون حتى ينصره الله أو يهلك دونها. وقد أخذ آريوس وأتباعه يعملون وينادون بمخالفة قرارات مؤتمر " نيقيا " والتمسك بعدم المماثلة في الجوهر والقدم فيما بين الله والمسيح، وذلك بالطرق الإيجابية المسئولة بحيث يغتنمون الفرص والمناسبات ويختارون الدعاة  ولقد كان لهم تأثيراً كبيراً مما جعل المؤمنين بفكرتهم يتحمسون ويجتمعون في السنة التالية بمؤتمر آخر في مدينة " صور" ( من مدن الجنوب اللبناني ) وهي معروفة بهذا الاسم حتى اليوم. وكانوا متحمسين لعقيدة التوحيد مهما كان الأمر، إلا ّ أن أتباع الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول كانوا مستعدين لهذا المؤتمر بأكثر من الأول، وتصدى لهم اثناسيوس – بطل قرارات مؤتمر " نيقيا " لا سيما وانه قد أصبح رئيساً لكنيسة الإسكندرية بعد وفاة الكسندر رئيسها الأول سنة 326.
     وقد فشل التجمع الإيجابي في مؤتمر "صور" أيضاً تجاه القوى التي يتمتع بها أثناسيوس – الذي لم تكن رئاسته للكنيسة بالانتخاب العادي المعروف، بل كانت بتصويت الدهماء فقط، بالإضافة إلى توصية من الكسندر قبل وفاته – وقد كان أثناسيوس علاوة على المركز الجديد كرئيس للكنيسة.. يتمتع بالموافقة الضمنية على فكرته الموائمة لفكرة الإمبراطور، كما كان يتمتع بهتافات الدهماء وتأييدهم مثلما كان الأمر في مؤتمر " نيقيا " . فجاء مؤتمر " صور " مخيبا  لآمال آريوس وجماعته، وتأكد بذلك لاثناسيوس والقيصر الأكبر ما أرادا من إيمان المسيحيين بتثليث مماثل لتثليث الرومان.
 الأناجيل المعتمدة

       لقد كانت الأناجيل المعتمدة بعد مؤتمر " نيقيا " و" صور " أربعة أناجيل: متى، ومرقص، ولوقا ، ويوحنا، ولم تكن هذه الأناجيل مكتوبة باللغة الآرامية – لغة السيد المسيح – ولا باللغة السريانية المنبثقة عنها في القرن الأول الميلادي، كذلك لم تكن بالعبرية .. لغة بني إسرائيل، بل كانت جميعها مكتوبة باللغة اليونانية. ولم يعرف شيء عن الأصول التي ترجمت عنها، كما لم تعرف أسماء المترجمين لمعرفة ما إذا كانوا محل ثقة في النقل.. أو إذا كانت لهم معرفة تامة باللغتين: اللغة الأصلية، واللغة اليونانية المترجم إليها الأناجيل الأربعة.

 

أما الأناجيل الأخرى – ومن ضمنها الأناجيل الشرقية – فتكاد تكون غير معترف بها ولا سيما من الأكثرية الموالية لآثناسيوس – إن لم يكن قد أعدم أكثرها. ولعل أثناسيوس نفسه كان يوناني الأصل كما يوحي بذلك اسمه الذي قد يكون مشتقاً من كلمة ( أثينا ) عاصمة اليونان.

حظوة ازبيوس من شيرازيا عند الإمبراطور
    على أن ازبيوس من شيزاريا وجماعته من الاريسيين وأنصاف الاريسيين أخذوا يدافعون عن المذهب الآريسي ويعترضون على قرارات " نيقيا " بشيء من الهدوء والتروي والمنطق والتدليل الأمر الذي جعل لازبيوس هذا  حظوة كبيرة لدي الإمبراطور – مما خوله أن يطلب إعادة آريوس ورفاقه إلى الكنيسة بعد أن عزلتهم.. إلا ّ أن أثناسيوس كان يعارض ذلك دائماً، ورفض عودة آريوس أكثر من ثلاث مرات متحدياً بذلك رغبة الإمبراطور.. مما حدا بالإمبراطور إلى نفي أثناسيوس نفسه خارج البلاد.وقد حال موت آريوس سنة 334 دون عودته للكنيسة.

 

       و قد نهض جماعة آريوس بعد وفاته وصار لهم حظوة كبيرة ومكانة مرموقة في البلاط الإمبراطوري ولكن أثناسيوس هو أثناسيوس، فلقد ظل مختبئاً في مصر فترة طويلة يعمل لمبادئه في سرية وهدوء، ينظر للأحداث عن كثب وينتظر الوقت المناسب للظهور وقد ظل على قيد الحياة بعد وفاة آريوس بفترة كافية لأن يواصل جهوده وتعصبه لقرارات مؤتمر " نيقيا " ضد جماعة آريوس الذي أصبح لهم شأن كبير زهاء عشرين عاماً بزعامة أزبيوس من شيزاريا  في ظل الإمبراطور قسطنطيوس.

 

     وقد أجمع المسيحيون على رأي أزبيوس من شيزاريا غير المتشدد في الوحدانية باعتقاد أن المسيح ليس من جوهر الأب، ولكنه مشابه له في الصفات فقط. كما أجمعوا على نبذ جميع قرارات  "نيقيا " إلا أن أتباع أثناسيوس قد نشطوا بعد وفاته سنة 373 كما سبق أن نشط الآريسيون بعد وفاة آريوس سنة 334.

 

        وقد ظل الأريسيون في خلاف وصراع كبيرين مع أتباع أثناسيوس زهاء نصف قرن حتى قبيل مؤتمر القسطنطينية عام 381 – وكانت المسيحية في زمن القيصر قسطنطيوس تتلخص في جماعتين ظاهرتين: جماعة تنادي بوحدة الجوهر بين الله والمسيح وهي المعبر عنها باللاتينية:    (HOMOIUSION)، والثانية لا تؤمن بوحدة الجوهر بل تنادي بوجود الشبه فقط بين الله والمسيح وهي المعبر عنها بالكلمة اللاتينية: (HOMOIUS). على أن غالبية الأريسيين المتسامحين وكانوا من أتباع أزبيوس، والأقلية المعارضة من أتباع أيتيوس، أما أصحاب التوحيد الخالص من جماعة آريوس، فكانت لا تقر أن المسيح من نفس جوهر الأب، ولا تؤمن بتشابه بينهما في الجوهر، وكان يطلق عليها باللاتينية كلمة: (ANOMOIOS).

 

وقد انقسم الأريسيون وتفرقوا إلى جماعات وفرق.. كل جماعة تعمل بطريقتها على محاربة قرارات مؤتمر " نيقيا " ، وبقوا على الرغم من ضعفهم وتفرقهم موجودين في أوروبا والشرق، حتى نهاية القرن السادس ومطلع القرن السابع، وذلك بعد انتصار جماعة أثناسيوس في العودة إلى الإيمان بقرارات مؤتمر " نيقيا "، وذلك بعد مؤتمر القسطنطينية عام 381 .

 

هل كان هرقل أريسياً ؟

      ولعل الأريسيين قد وجدوا في الإسلام ضالتهم المنشودة، فاعتنقوه ودخلوا فيه. ومما يدل على بقاء الاريسيين حتى مطلع القرن السابع الميلادي والأول الهجري – كتاب محمد رسول الله وخاتم النبيين r إلى هرقل الذي يدعوه فيه إلي الإسلام. ولقد جاء في الكتاب: ( من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، وبعد فأني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم . أسلم يؤتيك الله أجرك مرتين فان أبيت فعليك وزر الأريسيين ).

 

وان كتاب رسول الله r يدل على أن هرقل كان أريسياً. وقد روى عنه أنه سأل عن وجود أحد في سوريا من أقرباء هذا الرسول الجديد ليسأله.. وتصادف وجود أبي سفيان، وان قاله أبو سفيان في وصف الرسول r جعل هرقل يتأثر بهذا الرسول لأن تعاليم الإسلام في سيد المسيح ووالدته العذراء كانت مقبولة لدى الاريسيين لما يجدونه من البشارة بهذه الرسالة الجديدة في الأناجيل المفقودة وغير المعترف بها. وعلي أن الأناجيل المعترف بها لا تخلو من إشارات تبشر بالرسالة..  تناولها الكثير من الكتاب، أخص منهم بالذكر الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله أحد علماء الشريعة في مصر.

 

     ومما يروى عن هرقل أيضا أنه قال ما معناه: أن أتباع هذا الرسول الجديد سيملكون ما تحت قدمي هاتين. ومما يروى عنه أيضا أنه لمح عن رغبته في الإيمان بهذا الرسول الجديد إلا أن تلميحه صادف إعراضاً من الأكثرية مما جعله يقول: إني لم أقل ذلك إلا لاختباركم.

 

وان مما يقرب من هذا المعني أيضا – طلب رجال كنيسة القيامة في القدس حضور أمير المؤمنين شخصيا – بعد أن تعذر على المسلمين فتحها لقوة حصونها – قائلين بأنهم إذا رأوا أمير المؤمنين مطابقا لما هو موصوف به لديهم فسيفتحون له الأبواب صلحا.

 

        وقد استجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للدعوة.. وكان يتناوب مع خادمه ركوب الناقة وكانت النوبة في الركوب عند دخول المدينة المقدسة للخادم. ولم يقبل عمر رضي الله عنه تنازل الخادم عن نوبته في ركوب الناقة ، وصمم أن يقودها بنفسه وأن يدخل المدينة ماشيا والخادم راكبا (ويظهر من ذلك أن من صفات عمر رضي الله عنه وعدالته الموجودة في كتبهم، ألا يقبل تنازل خادمه عن حقه في نوبته في الركوب.. ويدخل عمر المدينة ماشياً وهو يقود الناقة وخادمه راكباً) فلما رأوه عرفوه وفتحوا له أبواب المدينة المقدسة ورحبوا به في كنيسة القيامة، وتمت آن ذاك المعاهدة المعروفة بينهم في هذه الكنيسة صلحاً. فكانت اتفاقية مرعية من باقي الخلفاء الراشدين بعد عمر، ومن جميع المسلمين. وقد كانت هذه المعاهدة محل رعاية في جميع العهود الإسلامية حيث أن رعايتها واجبة على كل مسلم إلى أن يقضي الله على هذه الأرض ومن عليها. وقد كان من ضمن بنودها عدم السماح لليهود بدخول المدينة المقدسة كشرط اشترطه رجال الكنيسة على عمر، وقبله عمر، وكان قبوله ملزماً لمن يأتي من بعده، واستمر ذلك فترة طويلة أثناء عزة الإسلام والمسلمين.

 

     على أن المسلمين اليوم ضحوا ويضحون الكثير في إخراج اليهود من المدينة المقدسة، ولا بد وأنهم راحلون بإذن الله مصداقاً لقوله سبحانه: } وكان حقاً علينا نصر المؤمنين {   47/ الروم.. وقوله سبحانه: } وإن عدتم عدنا {  8/ الإسراء

 

رسالة السيد المسيح عليه السلام:

        إن الذي يظهر من قوله سبحانه في الآية 14 من سورة الصف: } يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ~ {   14/ الصف.

 

إن دعوة السيد المسيح كانت في البداية تدعو إلى مكارم الأخلاق وتؤيد ما جاء بالتوراة مع تخفيف بعض ما على اليهود من تكاليف، حتى اشتد الجدال بين أنصار المسيح واليهودية التي لم تعترف برسالته (ولم يكن للسيد المسيح وحوارييه ومتبعيه دور عبادة خاصة بهم، بل كانوا يصلون في معابد اليهود ولعل أول من قام بعزل دور العبادة وبنائها في مناطق متعددة من العالم هو بولس بعد السيد المسيح).  وكان الوضع خليطاً وفوضى وعدوى فكرية لا ينفع معها التسامح ولا يمكن عليها الصبر. فكانت الطريقة الوحيدة المجدية في مثل هذه الحالة هي العزل بين المؤمن والكافر. وعند ذلك قال المسيح قولته الصريحة فيما يتبين من المتقدم من ختام سورة الصف.. هلم إلي يا أحباب الله وأحباء نصره فقال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فأيد الله سبحانه المؤمنين بالسيد المسيح بنصره وإياهم على الكافرين برسالته وأظهرهم عليهم مما جعل اليهود في خوف ووجل من هذه القوة الجديدة، فأخذوا يعملون في الخفاء – كعادتهم في حالة الضعف – ناعتين السيد المسيح بأنه قيصر جديد، وسعوا إلى الفتك به عند الرومان، وتعاونوا معهم على ذلك، فأنقذه الله سبحانه من مكرهم ورفعه إليه – كسنة ربانية –  وبما أن السيد المسيح قد رفعه الله إليه قبل أن يتم رسالته، فلا بد وأن يعود إلى الأرض التي خلق منها لإتمام رسالته شأن رسل الله، إذ لابد لكل رسول أن يتم رسالته وينقذ قومه أو يقيم الحجة عليهم، مصداقاً لقوله سبحانه في الآية 15 من سورة الإسراء: } من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ~ { وقوله سبحانه:  } إنا لننصر رسلنا الذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد { 51/ غافر

التكامل بين رسالات رسل الله:

   إن من التكامل بين رسالة موسى ورسالتي المسيح ومحمد –عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه– أن يأتي المسيح برسالة موسى قبله، ومبشراً بمحمد من بعده. وقد صدقت البشارة وجاء محمد رسولاً من الله مكملاً لرسالة المسيح والرسالات الأخرى مهيمناً عليها بالقرآن الكريم. ثم يأتي السيد المسيح في آخر الزمان منقذاً لرسالة محمد من الفتن والفساد، وحاكما عدلا بين المؤمنين، يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقتل المسيح الكذاب الدجال الأعور، ويقضي على أتباعه من اليهود كما يقضي على يأجوج ومأجوج، ويكثر الخير في عهده ويكون الجميع عباد الله إخواناً متحابين لا يخافون في الله لومة لائم ولا يشركون به سبحانه شيئاً. وقد جاءت هذه المعاني في بعض أحاديث رسول الله r .

رسالة المسيحية
 وقد عرف عن المسيحية أنها دين حبة وتسامح وتواضع وسلام وقد لا يمكن تطبيق مثل ذلك إلا بين مؤمنين متحابين ومتسامحين، مخالفين لطبيعة غالبية البشر في الطموح والتنافس، أو بين رهبان متقشفين زهاد، يعبدون الله في صوامع وأديرة بعيدة عن أصحاب المطامح والمطامع الذين تغلب عليهم النوازع والغرائز البشرية.

 

وإذا كانت التعاليم المسيحية في التسامح مثل قول: من ضربك على خدك الأيمن فأدرله خدك الأيسر ومن أخذ منك الإزار فأعطه الرداء، ومن سخرك ميلاً فامش له ميلين، أفليس في هذا التسامح ما يخالف ما جاء في التوراة وهو: العين بالعين والسن بالسن؟

على أنه إذ كان مثل هذا التسامح المطلق صادراً عن تعاليم السيد المسيح فلا بد وأن يكون اختياراً أو إرهاصاً ومقدمة لمجيء خاتم النبيين وقرآنه الكريم ليحل الخلاف حلاً وسطاً بين الرسالتين . أي أنه إذا كانت اليهودية تفرض الجزاء العين بالعين والسن بالسن، وكانت المسيحية على عكس ذلك تفرض التسامح فقد جاء الإسلام وسطاً ليقر الحقوق والقصاص، ولم يحرم صاحب الحق من التنازل عن حقه والتسامح فيه كما جاء بالآية 40 من سورة الشورى: } وجزاء السيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين {

 

ولا يخفى ما في ذلك من إعطاء المعتدي عليه الحق في رد الإساءة بمثلها بطرق السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأمة، أو أن يتسامح هو في حقه محتسباً أجره عند الله. علماً بأن البشرية لا تخلو من أقليات صابرة محتسبة أجرها عند الله تفضل التسامح على القضاء العادل، ولكن ليست البشرية كلها كما تقدم مصداقاً لقوله سبحانه: } ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~ وما يلاقيها إلا الذين صبروا وما يلاقيها إلا ّ ذو حظ عظيم {      34-35 / فصلت

 

ونعود فنقول أنه لو طبق جميع المسيحيين مثل هذا التسامح لألغيت المحاكم وألغيت جميع أشكال القضاء ولألغي الدفاع عن النفس والدولة ولعاشوا رهباناً في أعالي الجبال.

 

كما قد تكون هذه التعاليم قد جاءت من رجال بعد السيد المسيح يعتمدون في تعاليمهم على وحي الخاطر والرؤيا المنامية وما يعتبرونه من إلهامات وإيحاءات وغير ذلك، وإن أبرزهم هو من نودي بالقديس بولس أو بولس الرسول، الذي ترعرع بين الوثنية الرومانية والتوحيد اليهودي وبرع في الديانتين معاً، ثم قفز فجأة إلى القمة المسيحية بعد أن كان من ألد أعدائها.

وعليه فهل إن قاعدة التسامح هذه تتطلب من المسيحيين – تقديم مسيح آخر لصالبي المسيح فيما لو كان في مقدورهم مثل ذلك ؟ وإذا كان ليس في مقدورهم ذلك فإن التسامح يكفي بالإضافة إلى الاعتقاد بأن السيد المسيح لا بد من وقوع الصلب عليه تكفيراً للخطيئة وفداء لها، وإنه لو لم يقم الصالبون الفعليون لقام بالصلب غيرهم. وعليه فقد أحسن الفاعلون فعلاً بذلك لأنهم أنفذوا البشرية فيما بين آدم والمسيح من الخلود في الجحيم ولولا ذلك الاعتقاد لانتقم متبعوا المسيح من الصالبين لا سيما وأنهم أصبحوا دولة عظمى باندماجهم مع الرومان. ولا يخفى ما في ذلك أيضاً من فصل الدين الإلهامات والإيحاءات عن اليهودية والتوراة التي تقول: العين بالعين والسن بالسن، لا سيما وأن في ذلك علاوة على فصل دين الرؤيا والإلهامات عن التوراة.. فإن فيه عزلاً عن الإنجيل الصحيح أيضاَ وذلك بحكم الاتصال المباشر بالسيد المسيح ولا سيما من بولس، وله عن طريق هذا الاتصال المباشر أن يقول ما يشاء، وينفي ويثبت ما يريد بدعوى أن ذلك تعاليم جديدة من السيد المسيح. وللمثال لا للحصر: فقد كانت العطلة الأسبوعية عند اليهود والمسيحيين يوم السبت وكان الختان معمولاً به في الديانتين كذلك، ويؤيد ذلك اعتبار بولس نفسه رسولاً للجنتيل ومعنى كلمة ( جنتيل )   ( GENTILE) الشخص من غير اليهود وبخاصة المسيحي أو الوثني. ويكون المقصود من ذلك توحيد المسيحية مع الرومان باستثناء اليهود.

 

وطالما أن المسيحية قد انفصلت بتعاليم بولس عن تعاليم العهدين القديم والجديد وكونت دين تسامح يعطل القضاء العادل فيما لو طبق، ويلغي القوى الدفاعية التي لا يستغني عنها كل كائن، وللمثال فكما أن في السماء نيازك ومصابيح تدفع عنها شياطين الجن والإنس.. فإن في جسم الإنسان كريات بيضاء تدافع عن وجوده من شياطين الميكروبات ولولا ذلك لانقرض الإنسان. وإن المماثلة تامة فيما بين المصابيح في السماء والكريات البيضاء في جسم الإنسان شكلاً وعملاً. } ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت {   3/ الملك

 

نعم.. طالما كان الأمر كذلك، فإن الاندماج بين المسيحية وبين الرومانية أولى، وذلك لحمايتها من تسامح مغر للأعداء يؤدي إلى الانهيار لا سيما وأن مقدمة الاندماج بين الديانة المسيحية والقومية الرومانية جاءت من عهد بولس في القرن الأول الميلادي، ثم أتمها الإمبراطور قسطنطين الأكبر واثناسيوس في القرن الرابع الميلادي، فكانت المسيحية والرومانية كشيء واحد واسم واحد يدل أحدهما على الآخر –على عكس ذلك– اليهودية فقد كان مصيرها معلقاً بمصير الفرس المناوئين للرومانية.. وذلك من عهد قورش إلى ما شاء الله. وعليه ألا يكون لهذا الترتيب في التباعد بين المسيحية والرومانية من جهة، واليهود والفرس من جهة أخرى مخططاً  له من البدء ؟ ونعود فنقول إن الحديث عن قسطنطين الأكبر واثناسيوس قد سبق الكلام عنه في مؤتمري "نيقيا" و "صور" ولا بد لنا من مزيد من التحدث عن بولس بعد لمحة عابرة عن الرهبان.

 الرهبان في الصوامع والأديرة

   لقد بقي من الرهبان في الصوامع والأديرة في الجبال والمرتفعات من يعبد الله متجرداً من الشؤون الدنيوية، وتشهد بذلك الوصايا من خاتم النبيين r والخلفاء الراشدين من بعده –  للجيوش المجاهدة بعدم التعرض لهؤلاء الرهبان بسوء وتركهم وما تفرغوا له من العبادة.

بولس

   ولد بولس في طرسوس ( آسيا الصغرى ) من أبوين يهوديين يحملان الجنسية الرومانية، وكان بولس يتمتع بشخصيتين: شخصية يهودية باسم شاؤول (وهو اسمه الأصلي)، وشخصية وثنية رومانية باسم بولس. وقد ترعرع في هاتين الشخصيتين في مدينة دار السلام ( بيت المقدس )، وحفظ الكثير من التعاليم الدينية والفلسفية عن اليهود والرومان، وبرز في الدوائر الدينية وهو ما زال شاباً. وقد كان فخوراً بجنسيته الرومانية التي تعطيه مكانة في الدولة الرومانية المهيمنة.. وحماية من التعدي عليه، وكان معتزاً باسمه الروماني الذي اختاره وتسمى به حتى اليوم. وقد كان في تخليه عن اسم شاؤول اليهودي إبعاد للمسيحية من أن تكون رسالة لبني إسرائيل أيضا ( كما كان الأمر قبل رفع السيد المسيح إلى ربه ).

 

      وكان بولس مع تبحره في الوثنية واليهودية عدواً لدوداً للمسيحيين والكنيسة، يواصل إيذاء المسيحيين والسعي بهم نحو السلطات الرومانية ما استطاع إلى ذك سبيلا. إلا أنه فجأة أضاف إلى شخصيته الوثنية والرومانية شخصية ثالثة مسيحية.. وذلك نتيجة رؤيا منامية وهو في طريقه إلى دمشق زعم  أنه رأى فيها السيد المسيح وأنه كما يقول قد اقتنع من خلالها بأن ا لمسيح المصلوب كان يعيش ثانية بدليل أنه رئي بعد عملية الصلب. على أن الصلب وشقاءه كان حقيقة واقعة إلا أنها وجدت لتحمل خطيئة آدم الخالدة نيابة عن البشرية. ولم يكن لهذه الرؤيا أي إرهاصات أو مقدمات بل كان هذا التحول مفاجئاً، أي أنه نام كافراً برسالة واستيقظ رسولاً لها. وهذا مخالف للسنن الكونية الربانية، إذ أن المعروف في الرسل أن يكونوا ذوي سيرة عطرة وإرهاصات طيبة منذ ولادتهم حتى القيام بدعوتهم كما حصل لموسى وعيسى من قبله، ومحمد من بعدهما عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، كما جاءت الرؤيا مخالفة لسنن الأرض في دورتها اليومية إذ يأتي نور النهار تدريجيا ً من الفجر حتى استواء الشمس ثم العكس حتى غروبها، ليأتي الظلام بعد غياب الشفق الأحمر كذلك، وكذا الأمر في الفصول الأربعة في الدورة السنوية، وهذا للمثال لا للحصر.

 

 ثم أن هناك تساؤلات تفرض نفسها وهي:

 

1-     إذا كان السيد المسيح قد خلص البشرية من خطيئة آدم الخالدة، فماذا يكون الأمر بالنسبة لخطايا البشرية الخاصة؟

2-     وهل أن الصلب للسيد المسيح ينقذ البشرية من الحساب أمام الحكم العدل سبحانه ويعفيها من حقوق الآخرين وما ارتكبوه من خطايا بالغة ما بلغت من سيئات دون أسف أو ندم أو استغفار؟

3-     وماذا يكون حكم المؤمنين العاملين برسالات الرسل المتقدمة على السيد المسيح كنوح وإبراهيم وموسى وإذا كان الخلاص  من الخطيئة مربوطاً بالصلب الذي جاء بعد ذلك؟

4-  وألا يعتبر تحريم شجرة معينة على آدم.. مع إباحة ما عداها من الشجر، أول قانون وضع لآدم وذريته، أو القاعدة الأساسية للقانون كله، لأن القوانين كلها ليست سوى مباحات ومحظورات.

5-  ثم أليس في اقتصار رسالة السيد المسيح على التكفير عن خطيئة آدم والاكتفاء بنعته بالمخلص للبشرية من عذاب ناتج عنها – ما يجعل من المسيح مجرد كبش فداء.. أو وليس في ذلك ظلم لرسالته؟

6-     وهل أن الإيمان بالسيد المسيح ضروري لتكفير الخطيئة الخالدة فقط؟

 

وقد رأيت أن لدى الأستاذ وجيه الشريف تساؤلاً حول الموضوع، فرأيت أن يكون تساؤله منسوباً إليه فوافق على ذلك وكان ما يأتي: "إن الخطيئة الخالدة لدى المسيحيين – حسب مفهومي–  ناتجة عن معصية آدم عليه السلام لربه عندما حرم عليه الأكل من شجرة معينة في الجنة،  وكانت نتيجة معصيته أن أنزل الله سبحانه وزوجه إلى الأرض.

 

إذاً فالخطيئة أو المعصية ارتكبت في حق الله سبحانه، وطالما أن السيد المسيح يعتبر– في قرارات " نيقيا " – هو الله وقد تجسد ونزل إلى الأرض لتكفير الخطيئة.. فإن الذي يستعصي على فهمه وأستغربه هو: لماذا يكفر الله بنفسه عن خطيئة ارتكبت في حقه؟ وإذا كان الأمر كذلك.. فمن الذي قام بتنظيم الكون في الأيام الثلاثة التي دفن فيها المسيح تحت الأرض؟"

 

وهناك تساؤل يتردد في خاطري وأتردد في عرضه، ولكن لا بد مما ليس منه بد، وليسمح لي القارئ اللبيب إذ لا حرج في التساؤل ولا إحراج.. وهو:

ألا يوجد بعض الشبه بين غلاة التشيع ومتطرفي التصوف من ناحية، وبين الرهبانية المسيحية المبتدعة والمدعية بالاتصال بالسيد المسيح ومن ضمنها بولس من ناحية أخرى؟

 

وهل هناك مماثلة فيما بين صلب السيد المسيح واستشهاد الحسين وأن في كل من الحادثين تضحية؟ وانه قد لا يستطيع رجل الدين من هاتين الفئتين أن يتحدث عن الدين دون أن يتعرض لتضحية الحسين أو تضحية المسيح – إلا أن استشهاد الحسين كان واقعاً وأن الصلب –  كما تقدم في البحث –  كان واقعا  أيضاً إلا أن وقوعه كان على شبيه للمسيح وليس على ذاته الشريفة؟

 

وهل أن هناك مماثلة فيما بين الاعتقاد بخلود خطيئة آدم وخلود الخطيئة في مقتل الحسين على بني أمية ومن يعتبرونهم منهم هم غالبية أهل السنة والجماعة اليوم؟ وهل أن غلاة التشيع يأملون تحقيق الأخذ بثأر السيد الحسين من يعتقدون أنهم من أتباع الأمويين، وشعارهم في كل فرصة تسنح: أن ثورتنا بدأت على الدم وستستمر عليه.  والعكس عند المسيحيين لأنهم اعتبروا أن في التضحية خلاصاً للعالم من خطيئة آدم، وأن الصلب لا بد من وقوعه لسلامة العالم الأبدية، لذا فإنهم لم يتعرضوا بسوء للذين قاموا بعملية الصلب ؟ ثم هل في ضرب غلاة التشيع لأنفسهم بأيديهم وبالسلاسل والحديد في ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام – انتقاما ًمن أنفسهم لعدم استطاعتهم الأخذ بالثأر؟

 

ثم ألا يوجد شبه بين إدعاء بولس في اتصاله بالسيد المسيح وبين ادعاء غلاة التشيع والتصوف باتصالهم بمهدي منتظر أو بالله سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بجلا ل قدسه. وهل إن انطباق التطرف اليميني على هذه الفئات، وكذا كل تطرف يميني أو يساري في أي فئة من الفئات أو مذهب من المذاهب أو دين من الأديان – مخالف لرسالة خاتم النبيين ألا وهي الرسالة الوسط – مصداقاً لقوله سبحانه في الآية 143 من سورة البقرة.

 

وأن التساؤل الآخر هو: لماذا يكون مفروضاً على المسيحية التسامح مع الصالبين والاعتقاد بأن الصلب لا بد من وقوعه تكفيراً للخطيئة الخالدة.. على أن الخطيئة الخالدة الأخرى توجب الانتقام العنيف من أحفاد من يظن بأن آبائهم تسببوا في استشهاد سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما؟ ومن الذي له مصلحة في ذلك؟

 

هذه التساؤلات تمر في الخاطر.. ولعل من الصعب الإجابة عليها. علماً بأن المقصود من متطرفي التصوف وغلاة التشيع –  ذوي الشطحات البعيدة عما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، والذين يرفعون درجة خاتم رسل الله والإمام علي وذريتهما ومن يدعونهم بالأولياء –  لدرجة التأليه بما يحاكي اعتقاد الرهبنة بالسيد المسيح والقديسين.

 

على أن حب آل محمد r التابعين لهديه في توحيد الله سبحانه –  واجب على كل مؤمن بالله تبارك وتعالى. ونذكر بهذه المناسبة بيتا للإمام الشافعي رحمه الله:

إن كان رفضاً حب آل محمد      فليشهد الثقلان أني رافضي

 

(والرفض كلمة أطلقها زيد بن علي بن زين العابدين إمام أول دولة شيعية معتدلة في اليمن على الذين رفضوا قوله بأن اً بكر وعمر هما على الكتاب والسنة).

 

لمحة عن الإسلام والمسيحيين الروم

     إن اللقاء التام فيما بين التثليثين المسيحي والروماني، واندماج المسيحية بالقومية الرومانية جعل منها قوة عالمية لا تقابلها في المكانة والمنافسة إلا دولة الفرس المجوس. وقد كان التنافس بين الدولتين مستمراً، وكانت الحرب بينهما سجالاً بين هزيمة ونصر – حتى بزوغ فجر الإسلام علماً بأن المسلمين كانوا يتحمسون لنصر الروم على الفرس ويستفتحون به على المشركين، لأن الإسلام يعتبر الروم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب، ويعتبر الفرس المجوس في وزن المشركين لأنهم ليسوا أهل كتاب في مقابل انتصار المشركين للفرس.

 

وبينما كان المسلمون والمشركون يستفتح كل منهم على الآخر بنصر من يحب في حرب كانت قائمة بين الفرس والروم، إذا بسورة قرآنية تنزل مخبرة بهزيمة الروم في هذه المعركة ومبشرة بنصرهم خلال بضع سنين كوعد من الله، مع بشارة أكبر للمسلمين في أن النصر سيكون – بعد نصر الروم الأخير – للمسلمين على الدولتين معاً ألا وهي سورة الروم.

وقد جاء في مستهلها بعد البسملة: } ألم ~ غلبت الروم ~ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ~ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ~ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ~ وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~ {    1-6/ الروم

 

ومما تجدر الإشارة إليه والوقوف عنده أن النصر قد تم للروم ولم تقم أي حرب بين الروم والفرس بعد انتصار الروم الأخير، بل تحول النصر للمسلمين على الدولتين معاً وصدق الله العظيم. فقد أتم الله وعده وأعز جنده ونصر عبده. (أن الله لا يخلف الميعاد).

 

تفضيل الروم

   وطالما أن خاتم النبيين محمد رسول الله وأصحابه عليهم  جميعاً صلاة الله وسلامه كانوا يفضلون الروم على الفرس، وإن حديث التناصر المتقدم ينعت المسيحيين بالروم .. فإنه لا يسعنا إلا ما وسع رسول الله وأصحابه من تفضيل الروم -  أي المسيحيين – والتناصر معهم على أعداء الأمتين معاً ولا سيما إذا كانت مصلحتهم تقتضي التعاون معاً تعاونا صادقاً، وإن دورنا في النصر آت، وكل آت قريب بإذن الله } إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم {  11/ الرعد

} ويومئذ يفرح المؤمنون ~ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ~ {   4-5/ الروم

 

اللقاء على التناصر بين المسلمين والمسيحيين

      أن ما حدا بي إلى كتابة ما كتبته حول الأمور المختلف عليها بين المسلمين والمسيحيين – هو ما قرأته في الحديث الشريف المتقدم عن النصر الذي سيفوز به المسلمون فينصرون الروم في حرب عدو مشترك، وما أشار إليه الحديث من حدوث خلاف بعد النصر حول إدعاء ناعق فاسق –أو دسيسة مغرض– بأن هذا النصر هو النصر هو نصر للصليب. ولا يخفى ما في ذلك من تجاهل لمسلمين الذين يمثلون جانباً مهماً في هذا النصر. ونعيد الحديث الشريف هنا مرة: (ستصالحكم الروم صلحاً آمناً ثم تغزون وهم عدواً فتنصرون وتسلمون وتغنمون ثم تنصرون الروم حتى تنزلوا بمرج ذي تلول فيرفع رجل من النصرانية صليبا فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه فعند ذلك يغدر الروم ويجمعون للملحمة).

 

وعليه فإذا كان اللقاء على النصر ثم الاختلاف بعده كثيراً ما يحدث عند الأمم، وهذا ما يخشاه كل عاقل من الطرفين فيعمل على تحاشي وقوعه – ما لم تطغ الغوغائية على أصحاب العقول– وعليه أفلا نجد لقاء جامعاً بين المسيحيين والمسلمين على كلمة سواء بيننا وبينهم يتم عليها الإيمان من الجميع؟ وإذا كان التثليث أمراً محبباً لدى الكثير في العقائد والشعارات وفي القواعد الكونية للخلائق كقاعدة الإيجاب والسلب والحياد، وقاعدة اليمين واليسار والوسط، وإن في كل طائر ومخلوق وصف ميمنة وميسرة ومقدمة في الوسط كما تقدم تحت عنوان التثليث، فهلا نجد شعار التوحيد وإيمان تطمئن إليه نفوس إخواننا المسيحيين دون أن يتعارض مع التوحيد الخالص. وإذا كانت وحدانية الله سبحانه لا تتعدد ولا تتجزأ فإن له سبحانه أسماء حسنى وصفات جلى،  } ليس كمثله شيء وهو السميع البصير {، وإن القرآن العظيم الذي فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا لا يخلو مما تتوق النفس إليه، ويجمع بين هاتين الأمتين الكبيرتين على شعار إيمان وتوحيد – أفضل وأعظم مما اجتمع عليه الرومان والمسيحيون في مؤتمر " نيقيا " في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي – علماً بأن المسيحية تميل كثيرا ًإلى بسم الله الرحمن الرحيم، وينعتون أمواتهم بقولهم  " فلان " مثلث الرحمات، وإن ردهم في الغالب على المسلمين بأن اعتقادنا في التثليث لا يتعارض مع اعتقادكم في بسم الله، الله، الرحمن، الرحيم.

 

 (إله واحد) وقد رأيت عنوان كتاب لأحد المسيحيين اللبنانيين افتتحه في (بسم الله الثاني)، ولا شك أنه يقصد اسم الرحمن.. وهو الاسم الثاني لله بعد لفظ الجلالة مصدقاً لقوله سبحانه:  } قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى {   110/ الإسراء

 

     وطالما أننا وجدنا في بسم الله الرحمن الرحيم المدخل إلى التوحيد الخالص الجامع المقبول عند المسلمين والمسيحيين معاً فإن الإنسان يحب من كل قلبه أن يجد دليلاً يؤيد له هذا الاتجاه في كتاب الله الكريم ليطمئن إلى أن اتجاهه كان سليماً مؤيداً من الله الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه – لكي لا يبقى في صدور البعض راسبة شك أو شائبة ريب ، ملتقين مع جميع أنبياء الله ورسله في التوحيد الخالص من آدم إلى محمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه مؤمنين بهم جميعاً لا نفرق بين أحد منهم على أني أرجو أن أكون قد وجدت هذا المعنى في الآيتين 30 – 31 من سورة المدثر: }  عليها تسعة عشر ~ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر ~ {

 

نعم.. ما هي إلا ذكرى للبشر، وإنها ليست لبيان عدد جنود الله عز وجل.

 

القرآن العظيم يبارك هذا اللقاء بين المسيحية والإسلام

      إن عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر. وإن الضمير في قوله سبحانه:  } عليها تسعة عشر ~ {  30/ المدثر يعود على النار. وعليه لا غرابة في أن يكون اسم الله الرحمن الرحيم على واجهة النار لأنها ذات بال، وكل أنر ذي بال لا بد وأن يبدأ بهذا الاسم الأكبر كما جاء في الحديث الشريف أولاً. كما يظهر ثانياً من قوله سبحانه: } وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة {  30/ المدثر

 

إنه إذا كان أصحاب النار ملائكة فإنه لا يستغرب ذكر باسم الله  الرحمن الرحيم عليها لأنهم لا يفترون عن ذكر الله سبحانه والتسبيح بحمده.

 

وإن العدد تسعة عشر لم يكن لبيان عدد الملائكة الكرام الذين هم جنود الله الذين يعلم عددهم وحده سبحانه، كما جاء قبل آخر الآية الكريمة: } وما يعلم جنود ربك إلا هو {   31/ المدثر ، وجاء في آخرها: } وما هي إلا ذكرى للبشر { ~    31/ المدثر

 

كما يظهر أن في ختام الآية تحديدا ً بهذا المعنى ألا وهو (ذكرى للبشر) ولعل في هذه الذكرى – الحكمة المقصودة، والضالة المنشودة الجامعة بين المسلمين والمسيحيين، حيث آن الآية كلها تكــاد تنحصــــــــــــر في هذا المعنى، وذلك في قوله جل ّ شأنه:  } ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون {    31/ المدثر.

 

      نعم.. إن الأمر يحتاج إلى تمهيد وتعاون مع أصحاب الحكمة والنفوذ في تحقيق مثل هذا اللقاء الكبير بين أمتين كبيرتين يقرب عدد أفرادها من نصف سكان العالم، وعلى خير ما تم عليه اللقاء في التثليث بين الرومان والمسيحية – ألا وهو اسم الله الأكبر – بسم الله الرحمن الرحيم.

 

ولا سيما وأن تعداد الأسماء والصفات لله الواحد الأحد سبحانه وارد في الديانتين ومقبول منهما، وأن تعدد الآلهة أو تجزئة الإله الواحد مرفوض من الديانتين كذلك كما تقدم.

 

كذلك لا يمكن اعتبار رسالة السيد للمسيح العالمية أنها لمجرد الفداء، وأن السيد المسيح كبشها.  

 

       لقد كان الحياء يغلب علي عندما أقول إن رسالة السيد المسيح الحاضرة تعني أن السيد المسيح هو مجرد كبش فداء. وقد تحدثت للشيخ حامد خليفة – إمام المسجد الكبير في لندن عن شعوري بالخجل حول هذا الوصف المزري بنظري، فأخرج لي من مكتبه منشوراً مسيحياً يصور السيد المسيح بكبش رابض وبقربه سكين.. قائلاً لي هذا ما يعتقده المسيحيون أنفسهم. وعند ذلك فهمت أنني لم أتجاوز الواقع فيما قلته حول ذلك. وإني أضع صورة هذا المنشور وما كتبوا تحته من تعليق:

" قصة آدم " في القرآن الكريم

      إن قصة آدم ليست كما يتصورها كثير من الناس.. بأنها مجرد معصية، وأن هذه المعصية خالدة، وأن خلودها يعم جميع ذرية آدم حتى مجيء السيد المسيح رسول الله وكلمته، أو أن رسالته عليه السلام تنحصر في أن يكون كبش فداء لهذه الخطيئة الخالدة.. أو أنه الله وقد تجسد في صورة إنسان وتعذب وصاب ليكفر عن خطيئة ارتكبت في حقه سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بجلال قدسه، أو أنه سبحانه شريك لآدم في الخطيئة وأن الخلاص مرفوض على البشرية، وأن الغفران لا يتحقق بغير الإيمان في المسيح دون الاشتراط بأن يشفع هذا الإيمان بعمل صالح يصدقه، مع تحاشي الأعمال السيئة والتطهر منها بالاستغفار. على أن القرآن العظيم يضع قاعدة تشمل المسلمين وجميع أهل الكتاب قبلهم كما جاء في الآية 131 من سورة النساء وقوله سبحانه: } ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتــــاب من يعمـــــل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيرا ~ {   123/ النساء   

       إن قصة آدم مدرسة ربانية قائمة على قواعد علمية وتعاليم رحمانية تشتمل على جميع ما يتعرض له أبونا آدم وأمنا حواء وذريتهما من بعدهما ذكورا ًوإناثاً – من مشاكل تمر عليهم وطرق حلها، وعلى حقوق وأنظمة وعير ذلك.. ليخلصوا العيادة لله الواحد الأحد سبحانه، وليقوموا بعمارة هذه الأرض الطيبة، مؤمنين بالله لا يشركون به شيئاً عاملين للصالحات ليعيد الله سبحانه الناجح في فترة حياته الامتحانية على الأرض إلى ما يستحقه من الثواب في جنات النعيم مقيم كجائزة نجاح، وهبة فلاح جدير بها المستحق لها. والعكس صحيح أيضاً بالنسبة للفاشل في الامتحان الذي تقوم عليه حجة الله البالغة وحكمته الدامغة، علما ُ بأن قطعة لخشب التي لا تصلح لأن تكون قبقاباً أو وتداً ينتفع به.. تظل عاثورة مؤذية في الطريق .. فإن الحكم يصدر عليها منا بالإحراق في النار، ولله سبحانه المثل العلى في السماوات والأرض، وقد أعذر من أنذر، والله سبحانه يعفو عن كثير. وإليك أيها القارئ اللبيب ما يظهر لي في هذه القصة من معان قيمة، وحكم بالغة، وبيان مفيد في آيات كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ألا وهو القرآن العظيم.. خاتم كتب الله المنزلة على أنبيائه المرسلة عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه.

 

الملأ الأعلى قبل خلق آدم

   إن القواعد العلمية واحدة في الأرض وفي السماء، وإن من المعروف أنه إذا حصل تقارب بين جسمين أحدهما إيجاب تام والآخر سالب تام.. فلا بد وأن يحدث تفريغ متبادل من أحد هذين الجسمين إلى الجسم الآخر بنسبة كبر حجم كل جسم منهما أو صغره.. ولعله في مثل هذا التفريغ يتكون تلقائياً جانب ثالث حيادي بحكم قاعدة السلب والإيجاب والحياد وبهذه الطريقة يمكن بقاء الجسيمين المتنافرين في حالة تقارب لأن الفاصل الحيادي يكون قاسماً مشتركاً نابعاً من الجسمين معاً ولولاه لما التقيا ولعل هذا ما حصل فعلاً بين الملائكة الإيجابيين وبين إبليس السلبي

 

وبما أن جانب الملائكة الكرام أكبر.. كان تأثير تفريغه على إبليس أكثر.. مما جعل إبليس يتأثر بهم ويعبد الله فترة من الزمن. أما الملائكة فهم جنود الله  وعباده المكرمون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، فقد كان تأثرهم بالجانب السلبي قليلاً نسبة لصغره أمام كبر مجموعتهم. وإن هذا التأثير وإن كان ضئيلاً إلا أنه لا يجوز من لجنود الله الكرام، بل عليهم أن يكونوا جنداً متجاوبين مع القيادة الرباني بكل ما في الايجاب من معنى ينفذون أوامره سبحانه دون أدنى شائبة تشوب إيجابيتهم التامة وجنديتهم المطيعة الطاعة المطلقة.

 

السلب والإيجاب والحياد قاعدة كونية تشمل الخلق كله:

   وكان قضاء الله وقدره سبحانه وبعلمه منذ الأزل – إتمام القاعدة الثلاثية لمخلوق ثالث مستقل يشكل الجانب الحيادي – ليفصل بين جانبي السلب والإيجاب – لتبقى إيجابية الملائكة إيجابية تامة، وتبقى سلبية الشيطان  سلبية تامة.

وكان هذا المخلوق هو آدم عليه السلام. وإن الله سبحانه لم بعاتب الملائكة بغير قوله: ( إني أعلم ما لا تعلمون ). والظاهر من ذلك من أن الله سبحانه يعلم غيرة الملائكة عليه جل ّ جلاله، كما يعلم سبحانه القدر الضئيل الذي دخل على الملائكة من تأثير سلبية ذلك المخلوق السلبي.

 

وإن هذه الفترة العابرة لملائكة الله الكرام التي سوف لا تمر ثانية بعد إتمام خلق ذلك الحيادي الفاصل بين السلب والإيجاب.. الذي هو آدم عليه السلام، قد جعلت الملائكة قريبي الشبه بإنسان المستقبل إلى حد ما – وذلك عندما يجاوره الشيطان وأتباعه على الأرض.

 

وعليه فإنه من الممكن أن يكون في هذه الفترة العابرة درس وتجربة لإنسان المستقبل الوسط، يتخذ منها ما ينبغي على القائد نحو جنده، وما ينبغي على الجند نحو قائد هم في التشاور، ثم العزم بعد الاطلاع على مختلف الآراء بدليل، أن الله سبحانه وتعالى أخبرهم بأنه سيجعل في الأرض خليفة. ولعل الملائكة لم يرق لهم ذلك لأمرين، أحدهما الغيرة على الله من خلق لا يقدره سبحانه حق قدره، لأنه جل َ وعلى جدير بخلق يسبح بحمده ويقدس له شأن الملائكة الكرام. والثاني هو غيرتهم على هذه الأرض الطيبة من أن يكون فيها خلق يفسد فيها ويسفك الدماء. ولعل هذا الخلف المكون من آدم وزوجه وذريته – خلف لسلف قبلهم أفسد في الأرض وسفك الدماء، وإن المفروض على الجندي هو السمع والطاعة لقائده، كما أن المطلوب من كل قائد أن يستأنس بمشورة أولى الأحلام والنهي من قومه ، ولله المثل الأعلى وهذا ما يتبين من قوله سبحانه: } وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون ~ { 30 / البقرة

 

ويتبين من قوله سبحانه بعد إطلاع الملائكة بأنه سيخلق آدم.. ومعرفة رأي الملائكة في ذلك، تعليم للقائد من بني آدم أن يستعرض آراء جنده، وأن عليه بعد هذا الاستعراض أن يستخلص الرأي السديد والحكم الرشيد، ويعزم ويتوكل على الله. ولله المثل الأعلى مصداقاً لقوله سبحانه مخاطبا ً رسوله: } وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله {   159/ آل عمران

 

وقد أتم الله سبحانه خلق آدم كفاصل حيادي بين الإيجاب والسلب. وإن الفراغ  في الفاصل الحيادي ( آدم ) قد أخذ ما عند الملائكة من سلبيات دخيلة عليهم من الشيطان، كما استرد ما عند الشيطان من إيجابيات دخلت عليه من الملائكة الكرام، فأصبحت إيجابية الملائكة تامة، وسلبية الشيطان تامة كذلك. فكان حياد آدم إيجابياً لزيادة ما امتصه من إيجابيات في الشيطان تزيد عن سلبيات ضئيلة امتصها من الملائكة الكرام بحكم قاعدة السلب والإيجاب والحياد. وإن الحياد الإيجابي في الإنسان هو فطرة الله التي فطر الناس عليها.

 

أهمية العلم وتفضيل الإنسان به على الملائكة

   كان العلم أول نعمة ينعم الله بها على آدم لأنه سبحانه علمه الأسماء كلها بعد نعمة الخلق، وأن الأسماء كلها تشتمل على الأسماء العلمية وما ينتج عنها من تجارب نتيجة الأبحاث الذهنية والتجارب العملية، ثم عرضهم على الملائكة طالباً منهم محاكاة آدم في فكره واستيعابه للعلوم القابلة للزيادة، إن كان ذلك في مقدورهم، فكان جواب الملائكة للمولى: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. فطلب سبحانه من آدم أن يحل للملائكة ما عجزوا عن معرفته – لأتهم مستودعات يستودع الله فيها ما يشاء من علمه سبحانه، لا يزيدون عليها ولا ينقصون شأن الجندي الذي لا يتخطى التعليمات المحددة له من قائده.

 

     وكان من حق الله سبحانه عل الملأ الأعلى تقديم العلم والمواهب التي فضل بها آدم عليهم، فطلب منهم سبحانه أن يسجدوا لآدم إجلالاً للعلم واعترافاً بالخطأ.. فأطاع الملائكة دون تردد لأن إيجابيتهم أصبحت تامة وعصى الشيطان لأن سلبيته أمست تامة وذلك بعد خلق هذا الفاصل الحيادي ويتبن ذلك كله من قوله سبحانه في الآيات 31- 34/ من سورة البقرة:  } وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ~ قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~ قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ~ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين~ {

 

ولعل في هذا الدرس تعليماً للنخبة في القمة من كل أمة بأن تتعاون منسجمة في الحفاظ على الصف كي لا ينتأ أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد، وأنه لا كرامة إلا كرامة التقوى والتسابق في الخيرات. وإن كل مشاغب حسود لا فضل له يدعيه إلا اعتزازه بعنصريته.. فإنه لا جزاء لمثل هذا إلا الطرد من المجموعة وذلك لسلامتها، كي لا يفرغ سلبيته في سليم فيعديه ثم ينشر عدواه بين الأصحاء فتتحول إلى مرضى القلوب، وشياطين تفرقه، لأن شياطين الإنس أشد خطراً وأنكى ضرراً من شياطين الجن لأنها لا تقصر ولا تخنس. أما شياطين الجن فتخنس وتقصر عند ذكر الرحمن مصداقاً لقوله سبحانه: } إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~ وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون  ~ {  201- 202/ الأعراف

 

      وإذا كانت شياطين الإنس لا تقصر فإن التعاون بين شياطين الجن والإنس وارد. وكثيراً ما يكون الشيطان الإنسي واسطة للشيطان الجني المتآخي معه في الشرور.. فتتضاعف شرور الشيطان الإنسي، وكلمة إخوانهم  في الآية الكريمة تعني فيما يظهر إخوانهم من شياطين الإنس، أما شياطين الجن فتقصر وتخنس عند الذكر، وتقوى عند الغفلة مصداقاً لقوله سبحانه:

} ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ~ { 36/ الزخرف

 

على أن الباطل الذي يتآخى عليه الشيطانان معاً مهما أزداد شره.. فإنه زهوق مصداقاً لقوله جل  شأنه: } وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ~ {  81/ الإسراء

 

وقد طرد إبليس من الملأ الأعلى عندما عصى الله متعالياً على آدم بعنصره كما أخبرنا عن ذلك سبحانه حكاية عن إبليس: } قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ~ {  12/ الأعراف وكما جاء في الآية 61 من سورة الإسراء: } وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال آسجد لمن خلقت طيناً ~ {

 

على أن الطريقة السليمة بين القيادة والجندية.. هو ما أخبرنا المولى به في كتابه الكريم وقرآنه العظيم حكاية عن بلقيس ملكة سبأ عندما ألقى إليها كتاب كريم من نبي الله سليمان يحمله طائر صغير، في الآيات 29/32 من سورة النمل: } قالت يأيها الملأ إني ألقي كتاب كريم ~ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ~ ألا تعلو علي وأتوني مسلمين ~ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة ً أمراً حتى تشهدون ~ قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ~ {        

 

فاستعملت مواهبها  وعزمت وتوكلت على الله  ثم تصرفت تصرفاً حكيماً أدى بها آخر المطاف إلى ما اخبرنا به سبحانه في الآية 44 من نفس السورة: } قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ~ {

 

ولعله بمثل هذه المعاني في القيادة الحكيمة يخاطب المولى سبحانه رسوله الكريم في الآية 159 من سورة آل عمران: } فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين {

 

وأن في التشاور استئناساً بالآراء.. ثم بعد ذلك يأتي استحسان الرأي المناسب، فالعزم فالتوكل على الله في التنفيذ السليم. وان في استشارة بلقيس ملكة سبأ – ارتباطاً قوياً بين القاعدة والأمة، ومثالا ُ حياً للقمة الهرمية السليمة القائمة على المنطق والفلاح والصلاح في الراعي والرعية

 

ثم بعد تفوق آدم العلمي في الملأ الأعلى أسكنه الله سبحانه جنة لم يتعب في زراعتها، ومنازل لم ينصب ببنائها، وزروعاً لم  يتكبد مؤونة زراعتها، وأمواهاً لم يصخب بجلبها وسكبها، ومناخاً مريحا كذلك، وخلق منه زوجاً له وجعل بينهما مودة ورحمة ، أي أنه سبحانه يسر له كل ما يحتاج إليه أو يفكر فيه كي لا يجعل عليه وزوجه منفذا ً للشيطان – عدوهما المتربص بهما.

 

     وقد سبق كل ّ ذلك العلم الذي علمه الله لآدم وفضله به على الملأ الأعلى وأمرهم سبحانه بالسجود  له إجلالاً لهذا العلم ورضي به كما تقدم. وأصبح آدم سيداً في الجنة يأكل وزوجه من ثمارها رغداً حيث شاءا، ويتمتعان بعليل نسيمها وبهجة مناظرها، ولم يكن لديهما نقطة ضعف أو موطن حرمان يدخل منها عدوهما إبليس. وقد أخبرهما الله أن هذا العدو اللدود، والحاسد الحقود  يحاول إخراجهما من  هذه الجنة وحذرهما جل ّ جلاله من مكائده، وأن هذه المكائد مظلمة لا يمحوها إلا نور الإيمان وذكر الرحمن كسنة كونية. أي أن شياطين الجن والإنس تمثل الظلام .. ولا يطرد الظلام إلا النور، وبفقد النور يحل الظلام تلقائياً. وكذلك الحال بين كل متضادين، شأن الحق يزهق الباطل، والعلم يمحو الجهل، وكذلك الليل والنهار .. إذ يبقى الليل حتى يطلع الفجر وتشرق الشمس، ولو لم تطلع الشمس لكان الليل سرمدياً لا قدّر الله. كما يظهر مما تقدم أن العلم هو أولى وأهم من الطعام والشراب لأنه غاية والطعام والشراب وسيلة. وأن تفضيل آدم في الملأ الأعلى على الملائكة الكرام كان في العلم كما تقدم.

 

ويتبين ذلك من قوله سبحانه وتعالى في الآيات 35-38 من سورة البقرة: } وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ~ فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ~ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتيكم منى هدى ً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون {

 

القانون الأول:

    إن تحريم ثمرة شجرة واحدة على آدم هو القانون الأول لآدم وذريته من بعده. وهذه خلاصة الخطيئة المعروفة عند أهل الكتب السماوية المتقدمة. ولو عرف آدم السر.. لما عصى ربه. وفي هذا الجواب للتساؤل الذي قد يمر على  بعض الخاطر وهو: لماذا حرمت ثمرة شجرة واحدة على آدم من بين كل ذلك الشجر الكثير ؟ وعليه فلو لم يكن في جنة آدم محظور واحد لكان كل شيء مباحا ً، وفي هذه الحالة يستحيل وجود أي قوانين وأنظمة لأن القوانين والأنظمة لا تعدو كلها أن تكون مباحات ومحظورات. وعلى ذلك يكون تحريم شجرة واحدة هو أول قانون وضعه الله سبحانه لآدم وذريته من بعده.

 

وليعلم آدم وذريته أن الله سبحانه يريد لهم وينبغي عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يتقوه حق تقاته سبحانه ، وبالرغم مما أودع سبحانه فيهم من أمور لا غنى لهم عنها كغريزة بقاء النوع وغريزة التملك، وغرائز الطموح والتنافس وغير ذلك  . وأن ذلك كله يحتاج إلى أنظمة وقوانين تسنها كل قمة في كل أمة.. على ضوء ما جاء في كتب الله، وما تتطلبه المصالح الخاصة والعامة، كي لا يتعد أحد على أحد ،حيث إن الإنسان مهما كان إيجابياً في حياده،فإنه معرض للصواب والخطأ، والذكرى النسيان، والطاعة والعصيان،  فإذا كان إنسان في حالة تقوى وإيمان وطاعة.. وجد الله سبحانه أهلاً للتقوى، فإذا ما غلبت عليه نفسه فوقع في معصية، فإن عليه أن يبادر بالعودة إلى إيمانه وتقواه تائباً مستغفراً.. فيجد الله سبحانه أهلاً للمغفرة أيضاً مصداقاً لقوله سبحانه في ختام سورة المدثر:  } هو أهل التقوى وأهل المغفرة ~ {   56/ المدثر

 

كما يتبن من ذلك أهل اليمين هم في الدرجة الثانية بعد السابقين كما جاء في سورة الواقعة. وإنه كان لهم أصدقاء في النار يسألونهم ما سلكهم في سقر بينما كانوا معهم زملاء في الحياة الدنيا، فكان جوابهم: } قالوا لم نك من المصلين ~ ولم نك نطعم المسكين ~ وكنا نخوض مع الخائضين ~ وكنا نكذب بيوم الدين ~ حتى  آتانا  اليقين ~ {     43-47/ المدثر

 

واليقين عكس الشك وهو الموت الذي هو الحقيقة التي لا يشك فيها أحد. وكان جوابهم أنهم لم يعملوا ذرة من عمل خير يشفع لهم. على أن الأعمال الصالحة تكون بالكيف لا بمجرد الكم مصداقاً لقوله r (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة).

 

كما جاء في الأثر عن أبي تميمة الجهني عن رجل من قومه قال: لقيت رسول الله r وسألت عن المعروف فقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقى، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض، وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك وأنت تعلم فيه نحوه فلا تسبه فيكون أجره لك ووزره عليه، وما سر أذنك أن تسمعه فاعمل به، وما ساء  أذنك أن تسمعه فاجتنبه.

 

الأكل من شجرة أو بستان يمر به الإنسان:

   كما يؤخذ من قصة آدم درس آخر وهو أنه من الصعب على الإنسان أن يرى ثماراً على شجرة غير محمية بسياج مثلاً إلا ويأكل منها أكل عابر سبيل، وكذا البستاني في الحديقة أو التابعين لصاحب الحديقة، أو المسموح لهم بزيارتها.. إذ يجوز الأكل منها، ولكن الأكل هنا هو أكل إباحة لا أكل تملك، ما لم يعطه المالك شيئاً يأخذه معه.

 

المكابرة والإصرار على الذنب والاعتزاز بالعنصر يتنافى مع الفطرة السليمة:

    إن في الإصرار على الذنب بمكابرة، وعصيان الله سبحانه مع الاعتزاز بالعنصر – يتنافى مع الفطرة السليمة، وإن في البقاء على ذلك حتى مواجهة القدر المحتوم – محاكاة للشيطان. ومن كان هذا شأنه يطرد من ملأ المؤمنين كما طرد الشيطان من الملأ الأعلى، وأن العدالة تحتم ذلك.

 

وإن على المؤمن أن يحاذر شياطين الجن والإنس، وأن يحمي نفسه بالإيمان والتقوى وذكر الرحمن عن أن تخترق له شياطين الإنس والجن نقط ضعف ومواطن حرمان يدخلون عليه منها، كما اختلق الشيطان لأبينا آدم مثل ذلك بعد أن حذره الله سبحانه من عدوه الوسواس الخناس المتربص لغفلته عن نور الإيمان وذكر الرحمن والعمل الصالح – لينقض عليه انقضاض الظلمة عند فقد النور كسنة كونية.

 

ولم يغن أبانا آدم ما أنعم الله به عليه عن اختلاق الشيطان مواطن حرمان له رغم تحذيره سبحانه منه.. فقد اختلق الشيطان نقاط ضعف وهمية كي يدخل إليهما منها بإغراء وتغرير، مدعياً بأنه سيحقق لهما ما تنازعه نفسهما عليه بوساوس طموح مخادع ومفاتن إغراء كاذب. وصور  له ولزوجه ثلاث نواقص عندهما ألا وهي الخلود والطاقة الملائكية والأكل من الشجرة المحرمة، وأن الأكل من هذه الشجرة يحقق لهما النواقص الأخرى.

 

نقاط الضعف ومواطن الحرمان:

      نعم إن الله سبحانه لم يترك عند آدم نقطة ضعف أو موطن حرمان يدخل منها الشيطان كما تدخل شياطين الإنس والجن عادة على الإنسان الغافل. ولقد كان في إغناء الله سبحانه لآدم صيانة له وحماية.. إلا أن غرائز طموح كاذب ومفاتن إغراء خادع اخترقها الشيطان في إغراء آدم وزوجه وإغوائهما ، إذ صور لهما ثلاث نواقص، وقاسمه وزوجه أنه لهما لمن الناصحين.. وهي الشجرة:

 

1 ) الأكل من الشجرة.

2 ) إن الأكل من الشجرة يحقق لهما خلوداً دائماً وملكاً لا يبلى.

3 ) ويحقق لهما الطاقة الملائكية .

 

ويتبين ذلك من قوله سبحانه في الآيات 19/22 من سورة الأعراف: } ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ~ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ~ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ~ فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما  وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو ٌ مبين {

 

ونعود فنقول: لو أن آدم استخدم مواهبه وتحكم بإرادته لعرف أن تحريم شجرة واحدة عليه هو أصل القوانين، ولعرف من هذا التحريم المباح من المحظور، والحلال من الحرام، ولعرف أيضاًأن الخلود المطلق لا يكون إلا لله وحده سبحانه، وأن التملك المطلق أيضاً هو له وحده،وأن تملك الإنسان مهما اتسع فلا بد وأن يكون محدوداً.

 

أما الطاقات الإنطلاقية في الملأ الأعلى فلم يدر آدم أنه لو استعمل العلم الذي فضله الله سبحانه به على الملائكة الكرام وأودعه في طينته لوجد أن فيه طاقة تفوق طاقة إبليس، كما يظهر الفارق الكبير بين طاقة العفريت الجني المماثل لإبليس في الطاقة لأن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر  ربه  وبين الذي عنده علم من الكتاب من الإنس، وذلك في قوله سبحانه حكاية عن نبي الله سليمان:  } قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~ قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقويٌ أمين ~ قال الذي عنده علمٌ من الكتاب  أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم كفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ~ {   38-40/ النمل

 

    ولعل هذا العالم الإنسي قد حول بعلمه عرش بلقيس إلى ذرات لا تحول القصور المقفلة والمسافات الشاسعة دونها، وأخرجه من القصور وانطلق به بطاقة علمية وأعاده إلى أصله أمام نبي الله سليمان عرشاً تاماً كما كان قبل أن يرتد إلى نبي الله سليمان طرفه.

 

وهذا ما يتبين من مواطن الحرمان الثلاثة التي أغرى بها إبليس آدم وزوجه. على أنه كان لديهما حرمان رابع، وذلك أن الله سبحانه أراد لهما ستر العورة وحرمّ عليهما العري وذلك بقوله جلّ شأنه: } إ ن لك ألا ّ تجوع فيها ولا تعرى ~ وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحي ~ { 118-119/ طه

 

   وأن تعريتهما من لباسهما لم يكلف إبليس كبير جهد وزيادة إقناع حيث أن الرغبة في التعري موجودة عند الجانبين، وأنه حال استسلامهما له في الأكل من الشجرة استغل هذا الاستسلام وزاد من سلبياته فيهما ونزع عنهما لباسهما فاعتبراه في أول الأمر كشيء طبيعي، إلا ّ أنهما عندما ذاقا الشجرة، وأتم الشيطان مهمته ونكص على عقبيه قائلاً كعادته عندما يوقع فريسته: إني برئ منكما.. إني أخاف الله رب العالمين – ظهرت لهما عوراتهما وخطؤهما في ذلك، وأن ما عملاه هو من إغراء الشيطان.. فهربا من الشجرة وطفقا يخصفان  عليهما من ورق الجنة بعيداً عن الشجرة التي أكلا منها.

 

ولما سترا عوراتهما وأحسا بخطيئتهما.. ناداهما ربهما، وهو ما يتبين من الآية 22 من سورة الأعراف: } فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما  وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكم عدو ٌ مبين { 22/ الأعراف

 

وإن دليلي على أنهما بعدا عن الشجرة الأولى هو في قوله سبحانه: } ألم أنهكما عن تلكما الشجرة {  22/ الأعراف، و "تلكما" تعني الإشارة للبعيد. ودليلي على أن الشيطان نزع عنهما لباسهما – فذلك من قوله سبحانه: } يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء ً للذين لا يؤمنون { 27/ الأعراف

 

 خلاصة ما تقدم:

    لقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى أغنى آدم ويسر  له ما يحتاج إليه وملكه كل ما يمكن لإنسان أن يتملكه، وحذره من الشيطان بعد أن علمه ما علمه سبحانه من الخير كله كي تقوم عليه حجة الله الدامغة وحكمته البالغة، فيما لو انحرف عن الطريق السوي وانجرف مع إغراء الشيطان وخداعه له بنقط ضعف وهمية.. ومواطن حرمان فلسفية .. وتساؤلات نفسية نتيجة لتلك الوساوس التي حذره الله منها، ومن عدوه المتربص بغفلته. وتقدم أيضاً أن قصة آدم هي مدرسة ربانية  له ولذريته على هذه الأرض إلى قيام الساعة.

 

   وعليه إذا كانت هذه النعمة الكبيرة التي أنعم الله بها على آدم وملكه جميع ما في الجنة ما عدا ثمرة واحدة لشجرة واحدة، وفضله بالعلم على الملأ الأعلى. وإن ذلك كله لم يحل دون تأثير الشيطان الجني عليه لطموحه نحو الملك الكامل والخلود الدائم والطاقة التامة، فإن الواجب يحتم علينا أن نكون أكثر حذرا ً من جميع الشياطين، وأن نتذرع بالإيمان الكامل والعمل الصالح وأن نتسلح بسلاح التقوى، وأن يسود مجتمعاتنا الضمان الاجتماعي ما أمكننا ذلك بحيث يتيسر للفرد تكافؤ الفرص في العمل المثمر، وأن تتوافر له جميع الضروريات في حدود الإمكان، علما ً بأن شياطين الإنس والجن  إذا كانت تأتي للإنسان عن طريق نقط الضعف ومواطن الحرمان، فإنها لا تريد إغناء المحتاج بل تريد إغواءه بأي وسيلة مؤثرة تثير الغرائز والوساوس والمطامع والحسد والأحقاد. فعلي الأمة أن تبعد شياطين الإنس والجن الذين لا فضل لهم إلا الاعتزاز بعنصريتهم والتعالي بها على الآخرين كما أبعد الشيطان من الملأ الأعلى، وهبط آدم إلى الأرض ليقدر نعم الله عليه في نصبه وتعبه وكده ومكابدته في إنتاج ما يحتاج إليه، وليعود ثانية هو والصالح من ذريته إلى جنة عرضها السماوات والأرض وجنات أخرى علمها عند الله بعد فترة امتحان وتمحيص كي لا يدخل الجنة إلا من كان جديراً بها وأهلاً لها من الإنس والجن ليشعروا بالنعيم المقيم. أما الخلق المفسد المجرد من الخير والنفع .. فالنار أولى به.

 

    علماً بأن الإنسان يحتاج إلى شيء من الجد والكد في حصوله على رزقه وحاجته الضرورية كي يشعر باللذة في نجاحه. أما إذا كان كل شيء متيسرا  ًله بدون تعب أو نصب، فإن ذلك قد يجره إلى الطغيان مصداقاً لقوله سبحانه:  } إن الإنسان ليطغى ~ أن رآه استغنى ~ { 6-7/ العلق

 

علماً بأن مما قيل في السعادة بأنها ( غمرات فينجلين ) إذ تكون السعادة في شبع بعد جوع، وأمن يعد خوف، وإبصار بعد عمي،  وشفاء بعد مرض وغير ذلك مصداقاً لقوله r: ( للصائم فرحتان عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ).

 

هبوط آدم إلى الأرض:

    نعم إن هبوط آدم إلى الأرض التي خلق منها كان لعمارتها ونشر العلم والمدنية فيها علماً بأن الأرض تحرص كل الحرص على استعادة كل ما يخرج منها بما في ذلك أدم والمسيح. آدم في أول الخليقة الإنسانية والمسيح في آخرها.

 

عودة الشيطان إلى الأرض:

   وكذا الشيطان فقد كان مخلوقاً من نار الأرض قبل القشرة الترابية، ويتبين ذلك من قوله سبحانه: } ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون~ والجان خلقناه من قبل من نار السموم ~ { 26-27/ الحجر

 

     وقد يتساءل المرء لماذا عاد الشيطان إلى الأرض وقد ثبتت عدواته للإنسان ؟ والجواب على ذلك أنه كما تقدم، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق آدم الملأ الأعلى إتماماً للقاعدة الكونية الثلاثية: السلب والإيجاب والحياد، فإنه لا بد من وجود السلب على هذه الأرض ليكون الإنسان هو الجانب لحيادي  الوسط على الأرض، وليكون الجانب الإيجابي هو في الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله، ولله المثل الأعلى وهو سبحانه في السماء إله وفي الأرض إله، وإن عودة الجانب السلبي إلى الأرض لا بد منها – إذ لولا الجانب السلبي لانحرف الإنسان وحاد نحو الجانب اليميني التام وفقد ميزته الوسطى التي فضله الله بها على الملأ الأعلى، ويفضله بها سبحانه على هذه الأرض أيضاً  وإن الملائكة الكرام تدعو  له وتضع أجنحتها لطالب العلم من ذرية آدم رضي بما يصنع، علماً بأن الإنسان هو مركز الثقل وبيت القصيد في السماء وفي الأرض وفي الدنيا وفي الآخرة، وأعني المهتدي بالعلم ونشره والإيمان والعمل الصالح والدعوة إليه مصداقاً لقوله r: ( إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض وحتى النملة في جحرها وحتى الحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ). وآيات كتاب الله وأحاديث رسوله r في هذا المعنى كثيرة.

 

ولقد تقدم أن فترة اجتماع آدم والشيطان والملائكة الكرام في الملأ الأعلى كانت تجربة عابرة لعودة آدم والشيطان إلي الأرض، أي أن القاعدة الثلاثية قد كانت في السماء أولاً ثم عادت إلى الأرض  وبقيت الإيجابية تامة في الملأ الأعلى ولله سبحانه المثل الأعلى في السماوات وفي الأرض، وتمت القاعدة الثلاثية في الخلق كله على هذه الأرض وما شاء الله بغد ذلك، وتحققت إيجابية الوسط الأمثل بين الخلائق للإنسان الناجح في الفترة الإمتحانية على الأرض.

وهذا ما يدل على أهمية الإنسان  العامل للصالحات مصداقاً لقوله سبحانه: } إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً~ {  107/ الكهف

 

والآيات في هذا المعنى كثيرة في شأن المؤمن الشاكر الذاكر المهتدي إلى الطريق الأقوم، وأذكر بعض آيات في تفضيل الإنسان:

} ألم تر أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير {  20/ لقمان

 

وقوله سبحانه: } الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ~ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون {  12-13/ الجاثية


 

تحريم العري وتحديد ستر العورة:

    إذا كان فيما تقدم أن قصة آدم مدرسة ربانية لعلاج ما يتعرض له أبونا آدم وأمنا حواء وذريتهما من بعدهما، وإن كشف العورة في الأمكنة العامة الذي يميل إليه الكثير من الجنسين، لا يصح تركه دون بيان حكم الدين فيه، وان تركه الرضى به، وحاشا للدين أن يرضى بذلك. وعليه فإن مما يتبين من الآية 26 من سورة الأعراف التي جاءت في سياق قصة أدم – أنها تحدد لآدم وذريته أقل الملابس الواجبة لستر العورة.. ويتبين ذلك من قوله سبحانه: } يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ~ {   26/ الأعراف

 

لباس التقوى:

   نعم إن الله سبحانه فد أنزل علينا لباسا يوارى سوءاتنا وريشا يزيد عن ذلك. ولباس التقوى هو ما يلبسه الرجل والمرأة في الصلاة والإحرام للحج أو العمرة، وهو أقل لباس كاف للرجل والمرأة إذ يتكون لباس الرجل من إزار يغطي ما بين السرة والركبة، ورداء يغطي أحد الكتفين. أما المرأة فتغطي جميع جسدها ماعدا الوجه والكفين، كما تؤيد  ذلك السنة المطهرة. ولكن المسلمون غالوا في تستر المرأة بأكثر من لباس التقوى مما جعل ردود الفعل تطغى.. وأخذ محبو العرى يجدون منفذاً يدخلون منه إلى العري الذي يروق لهم، يؤيدهم في ذلك قشور المدنية الحاضرة. على أننا نحمد الله أن المرأة المسلمة تعود اليوم تدريجياً الى لباس التقوى.. لباس الحشمة والوقار بما لا يصف ولا يشف . على أن تبرج النساء المزري تبرج جاهلي يعود بالمؤمنات إلى جاهلية ثانية بعد أن حرم الله عليهن تبرج الجاهلية الأولى بقوله سبحانه: } ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى {  33 / الأحزاب

 

وكما قيل: كل شيء يزيد عن حده ينقلب الى ضده. علماً بأن الذين نادوا بالسفور في الماضي كقاسم أمين وهدى شعراوي – لا يقصدون الوصول الى ما هو معروف اليوم على الشواطئ والأماكن العامة، وحتى الفطرة السليمة لا تقبل ذلك. وأذكر أنني كنت أسير مع ولدي محمد وكان عمره سنتين ونصفاً تقريباً وكان الوقت شتاء ً بالكويت، وكان ذلك في الأربعينات.. إذ مرت سيدة فقيرة تغطي كامل وجهها بينما كانت حافية القدمين فقال: بابا.. لماذا تغطي عيونها وتكشف رجليها؟ وكأنما هي الفطرة جاءت على لسان هذا الطفل الصغير.

 

لباس التقوى عند أهل الكتاب:

    إن دين الله واحد، وإن هذا اللباس لما عدا الوجه والكفين موجود عند أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى أيضاً. إلا أن اليهود اكتفوا بعصابة تغطي الجبهة وجوانب الشعر وتبقي قمة الرأس عارية.

 

على أن المسيحيين قد التزموا بهذا اللباس للراهبات فقط، وأنهم بعد التقائهم في مؤتمر " نيقيا " مع الرومان على تثليث موحد – اعتبروا الناس كلهم أحراراً في الدين فيما عدا مسائل الأحوال الشخصية – كما تقدم – ولم يتقيد في الدين ولباس الدين إلا الراهبات.

 

لباس الصلاة عند المسلمين:

    وإن على المرء أن بأخذ زينته المعتادة عند كل مسجد، مع الاعتدال في كل شيء مصداقاً لقوله سبحانه: } يا بنى أدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~ {  31/ الأعراف، ويتبين من هذه الآية الكريمة أن على الإنسان أن يصل بزينته المعتادة، فإذا كانت زينته هي كشف الرأس ولبس الحذاء، فله أن يصلي بحذائه مكشوف الرأس، وليس عليه أن يغطي رأسه بقطعة ولو صغيرة كأمر ملزم. أما إذا كانت الرأس من أصل الزينة.. فعليه استعمالها في المسجد كعمامة أو الكوفية والعقال. وقد ورد عن المصطفى r (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم). ومما ورد في حديث آخر: (الزم نعليك قدميك فإن خلعتهما فاجعلهما بين رجليك ولا تجعلهما على يمينك ولا عن يمين صاحبك ولا وراءك فتؤذي من خلفك). عن أبي هريرة – سنن ابن ماجه. ويؤيد ما تقدم الآية 32 من سورة الأعراف في قوله سبحانه:   } قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ~ {          32/ الأعراف، والزينة تشمل زينة شعر رأس الرجل، وظهوره دون غطاء في الصلاة والإحرام في حج أو عمرة كما أن لبس الحذاء  مكمل للزينة والله سبحانه هو العلام الحكيم. وقد صلى رسول الله r حافياً ومنتعلاً.. كما صلى حاسر الرأس منتعلا ً وهو محرم..

 

كما أنه لا بد من الوقوف عند الآيات 67 إلى  71  من سورة  ( ص ) في قوله سبحانه: } قل هو نبأ عظيم ~ أنتم عنه معرضون ~ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ~ إن يوحى إلي إلا إنما أنا نذير مبين ~ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين ~ {    67 – 71 / ص

 

إذ يتبين من الآيتين الأوليين أن قصة أدم نبأ عظيم، وأننا معرضون عنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويتبين من قوله جل ّ شأنه في الآية 69: } ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون ~ {  69/ ص

 

أن الرسول r لا يتكلف المعاني لأن القرآن العظيم كتاب الزمن كله وإنه ذكر للعالمين كلهم. فالذي لا يفهم اليوم لا بد وأن يفهم بعد حين كما جاء في الآيات الثلاث 86- 88 – من ختام هذه السورة: } قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ~ إن هو إلا ذكر للعالمين ~ ولتعلمن نبأه بعد حين ~ {  86- 88/ ص

 

ويتبين أنه قد حصل اختصام في الملأ الأعلى عند قوله سبحانه: } إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين ~ {  71/ ص

وإنه من المفهوم أنه إذا كان المجتمع في الملأ الأعلى يتكون من يمين ويسار.. فلا بد من التخاصم والاختلاف. وإن الحكم العدل في هذا الخصام والخلاف هو الله سبحانه وحده وله المثل الأعلى في السماوات والأرض.

 

هيمنة الوسط:

   ولا بد أن يتم الوفاق طالما وجد بين اليمين واليسار – جانب ثالث وسط صالح مهيمن يستجيب لرأبه الجانبان معاً. أما المعاند المكابر في الجانب اليساري فلا بد من طرده وإبعاده كما أبعد الشيطان من الملأ الأعلى. وعند فقد الجانب الثالث الوسط فلا بد من وجود الخلاف والصراع المؤدي إلى العزل أو الكبت القابل للانفجار مهما طال أمد الكبت، فإن القاعدة الثلاثية الكونية تفرض نفسها في الخلق كله أ لا وهي قاعدة السلب والإيجاب والحياد.

 

} فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ~ {  43/ فاطر

 

الهدايــــة :

   إن الملائكة يؤمنون إيماناً صادقاً بأن أقرب القربات إلى الله سبحانه هو ذكر الله وشكره وحسن عبادته وهذا صحيح،  إلا أنهم لم يعلموا أن ذلك مطلوب منهم كغاية، ومطلوب من الإنسان كوسيلة للمعرفة والهداية والتطور العلمي الراسخ، ووضوح الرؤية والتصور الذهني المستقيم مصداقاً لقوله سبحانه: } وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ~ { 82/ طه، وقوله سبحانه في ســــــورة الفاتحــة: } إياك نعبد وإياك نستعين ~ اهدنا الصراط المستقيم ~ { 4-5/ الفاتحة، وقوله جل ّ شأنه: } واتقوا الله ويعلمكم الله{  282/ البقرة، أو قوله r عندما سئل عن الراسخين في العلم قال: ( من طهرت سريرته، وحسنت سيرته، وعف بطنه وفرجه ). والعلم الراسخ هو العلم الثابت وليس النظريات القابلة للتغيير. ويتبين من هذا الحديث الشريف أنه لا وعي ولا استيعاب للعلم إلا بطهارة الوعاء بالتقوى والعمل الصالح كما جاء في هذا المعنى قوله سبحانه: } إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخشى إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ~ {  18/ التوبة

 

ويبين معنى هذه الآية.. والآيات بعدها في قوله سبحانه: } أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ~ {   19/ التوبة

 

الإنسان بين الملائكة والشيطان:

    إن الهدى من الله سبحانه إرسال لا يتلقاه المؤمن إلا بحسن استقبال مصدقاً لقوله سبحانه على لسان بعض رسله: } قل يا قومي أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ~ {  28/ هود

والعكس صحيح أيضاً،  بدليل قوله سبحانه: } وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها { 26/ الفتح، وقــوله سبحـــــانه: } نور على نور يهدي الله بنوره من يشاء {   25/ النور، وتشتمل الآية على نورين: نور إرسال من الله سبحانه ونور استقبال من عباده الصالحين المستجيبين لدعوة الحق.

 

والمعروف أن خريجي الجامعات العالمية كثيرون.. ولكن المتفوقين منهم قلائل ابتعدوا عن سفاسف الأمور واتجهوا نحو جلائلها بالجد والدأب والجهد فبزوا سواهم بأذهانهم المستنيرة واكتشافاتهم العلمية الصغيرة والكبيرة. واكتشاف العلم هو اكتشاف الجهل به قبل ذلك.وإن الملائكة الكرام الذين سجدوا لآدم في الملأ الأعلى.. مسخرون لهذا المخلوق الطيني الحيادي الوسط في الدنيا، ككتبة وحفظة له ولذريته، ولمحاولة إبعادهم عن الانزلاق والانحراف نحو التطرف اليميني أو التطرف اليساري للحفاظ على الوسطية المثلى ممن قاله الله سبحانه فيهم في سورة الواقعة: } وكنتم أزواجاً ثلاثة ~ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ~ وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~ والسابقون السابقون ~ أولئك المقربون ~ { 7-11/ الواقعة

 

وقد تكرر مثل هذا المعني ثلاث مرات في سورة الواقعة. ومن ذلك يتبين أن الوسط الأمثل هو الأولى لهذا المخلوق الوسط بلا تطرف يميني أو تطرف يساري. فإذا كان التطرف اليميني أشد خطراً وأكثر ضراراً من التطرف اليساري فلأن الحذر من الثاني مستطاع، والصراع معه ممكن، والتهادن معه جائز. أما اليميني فهو معك متشح بوشاح الدين ويأتيك عن اليمين.

 

ومما يدل على أن التطرف اليميني أخطر من التطرف اليساري ما جاء في بعض آيات سورة الصافات من تخاصم بين التابعين والمتبوعين يوم الحساب، أذكر منها الآيتين: } وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ~ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~ { 27-28/ الصافات، ويتبين من هاتين الآيتين قول التابعين للمتبوعين لو أنكم كنتم تأتوننا عن اليسار لتبعدونا عن الإيمان بالله لأخذنا حذرنا منكم ولما قبلنا توجيهاتكم ولكنكم كنتم تأتوننا عن اليمين بقولكم مثلا ً: إن هذا الوثن يقربكم إلى الله زلفى، أو أن صاحب هذا القبر صالح يشفع لكم بصلاحه، وإن في تقديسه تقرباً إلى الله. ولقد أحببنا الله عن هذا الطريق اليميني الخاطئ الذي خدعتمونا به.

 

      كما أن الملائكة يحاولون إبعاد هذا الإنسان عن الانحراف عن الوسط الأمثل نحو اليمين المتطرف فإنهم يحاولون إبعاده عن الانحراف نحو اليسار المتطرف أيضا َ، وعن جميع وساوس شياطين الجن والإنس وإغراءاتهم في استغلال نقط الضعف ومواطن الحرمان عند هذا المخلوق الوسط ما لم يتمرد عليهم منحازاً  إلى أحد التطرفين – يميناً أو يساراً مصراً مستكبراً. ولم يعلموا أن بقاءهم متمسكين في العبادة والغيرة على الله سبحانه من خلق مفسد سفاك للدماء لا يسبح لله ولا يقدسه حق التقديس – ناتج عن ضالة تأثير الشيطان وذلك لصغره أمامه.. وإن الله قد حماهم من مثل زيادة في التأثير أدت بالملكين ببابل.. هاروت وماروت إلى انحراف عن الطريق السوي والصراط المستقيم  . ولكن الله  سبحانه يعلم ذلك كله وهو العلام الحكيم.

 

وإن في تأخير الله سبحانه العذاب عن إبليس وأنظاره إلى يوم البعث.. محافظة على الوسطية المثلى لهذا المخلوق كحياد – بين الإيجاب والسلب. ولولا ذلك لانحاز أبونا آدم نحو الملائكة الكرام – بحالة التقرب من التصوف العالمي والرهبنة العالمية المكسلة والمعطلة عن التقدم في العلوم والاتقاء في المدارك والانشغال في العبادة المجردة عن عمارة الأرض والاستفادة من خيراتها، وهذا ما لا يريده الله سبحانه لهذا المخلوق الأمثل بوسطيته وحياده الإيجابي، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير.

 

سورة " الكافرون " – ومسئولية الكفار عن آثار كفرهم:

      لقد وعدنا فيما تقدم أننا سنتعرض سورة " الكافرون " وما جاء في آياتها من تبيان لنا عن مسئولية الأجداد والآباء عن الأولاد والأحفاد والأتباع بعكس ما يعتقده اليهود ومن نحا نحوهم من أن خطيئة الآباء والأجداد تلاحق الأبناء والأحفاد إلى آخر الزمن. علماً بأن الأديان السماوية والقوانين الوضعية تقر العكس وهو مسئولية الآباء والأمهات والولاة عن تربية الأولاد والتابعين وتعليمهم العلم النافع المفيد لهم في دنياهم وأخراهم وأنهم يأثمون إذا قصروا في ذلك في حدود الاستطاعة. وأن مسئوليتهم لا تقل عن مسئولية الرسل الكرام الذين أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، بحق كما أنها لا تقل عن مسئولية المتفرغين للتعليم والمتفرغين لنشر دعوة الحق الذين إذا قاموا بما تعهدوا به قياماً شافياً كافياً.. فإنه يسقط الإثم عن باقي الأمة كفرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين مصداقاً لقوله سبحانه في الآية 122 من سورة التوبة: } وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~ {   

 

وإلا كانت مسئولية نشر دعوة الخير وتعليم الخير – عامة كفرض عين على كل مؤمن من أفراد الأمة كلها. مع أن مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبة في حدود الاستطاعة مصداقاً لقوله  r: ( من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده  فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ). عن أبي سعيد " سنن ابن ماجه ".

 

والمعروف هو ما يقره العرف ويقبله الضمير الحي والمنكر هو ما تنكره الأذواق السليمة والفطرة المستقيمة، ويأباه الدين القويم. على أن المسئول إذا أدى ما عليه من المسئولية بحق ثم حاد السامع أو التابع فان المسؤول لا يسأل عنه يوم القيامة مصداقاً لتكرار قوله سبحانه: } وما على الرسول إلا البلاغ المبين {  54/النور، وتكرار قوله سبحانه:   }ولا تزر وازرة وزرا أخرى {   15/ الإسراء، } كل امرئ بما كسب رهين ~ {   21/ الطور

 

لأنه ليس على الرسول إلا البلاغ المبين وذلك لإقامة الحجة الدامغة والحكمة البالغة } ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة إن الله لسميع عليم  {  42/ الأنفال

 

علماً بأن بابا الفاتيكان الراحل قد أسقط عن اليهود الحاليين مسؤولية اشتراك آبائهم في إيذاء السيد المسيح، وهذا ما يعتبر تغيراً في المسيحية لأن بنوة المسيح وصلبه قائمان على قاعدة خلود الخطيئة، وبهدم هذه القاعدة لا يوجد داع لأن يكون السيد المسيح ابناً لله أو أن يصلب. وان هدم القاعدة الأمر الذي تقره الشرائع السماوية والقوانين الوضعية يقرب كثيراً بين المسيحية و الإسلام.. ويؤيد ذلك سورة الكافرون:

 

بسم الله الرحمن الرحيم: سورة الكافرون –

 

1-      قل يا أيها الكافرون

2-      لا أعبد ما تعبدون

3-      ولا أنتم عابدون ما أعبد

4-      ولا أنا عابد ما عبدتم

5-      ولا أنتم عابدون ما أعبد

6-      لكم دينكم ولي دين

 

     يقول كثير من المفسرين بأن هذه السورة منسوخة بأية الجهاد. ونقول بأن يقول عنها الرسول الله r بأنها تعدل ربع القرآن الكريم، وقد كان يقرؤها r مع سورة الإخلاص التي ورد أنها تعدل ثلث القرآن العظيم – في ركعتي سنة الفجر وفي ركعتي الشفع قبل ركعة الوتر الأخيرة ويقرؤهما في السنة الطواف وفي كثير من الصلوات الأخرى – لا تكون منسوخة بحال من الأحوال وان في تكرار قراءة الرسول r لها تنويها بفضلها وتعليما لنا لنتأسى به في قراءتها وفهم معانيها. ولعل الخطأ لدى بعض المفسرين هو في المعادلة إذ يقولون أن الآية الأولى:} قل يا أيها الكافرون ~ {  هي خطاب للكافرين، وأن في قوله سبحانه في الآية الثانية  } لا أعبد ما تعبدون ~ { في الحاضر يقابلها في الآية الثالثة  } ولا أنتم عابدون ما أعبد ~ {  وفي الحاضر أيضاًَ  } ولا أنا عابد ما عبدتم ~ { في الآية الرابعة مستقبلاً يقابلها  } ولا أنتم عابدون ما أعبد { مستقبلاً. ثم تأتي الآية السادسة  } لكم دينكم { يقابلها في نفس الآية  } ولي دين ~  {   سورة الكافرون ، فتمت المعادلة فإذا كانت هذه المعادلة صحيحة فإن النسخ بالمعنى صحيح أيضاً. وعليه لا بد أن تكون المعادلة التي أخذ بها معظم المفسرين خاطئة، لأن هذه السورة لا يمكن أن تكون منسوخة. إليك أيها القارئ الكريم المعادلة الصحيحة بإذن الله:

( قل يا أيها الكافرون ) أي الكافرون بعبادتي في الحاضر، ( لا أعبد ما تعبدون ) أي أنا لا أعبد عبادتكم في الحاضر أيضاً، بل علي ّ ألا ّ أشرك بالله شيئاً كما أمرني ربي أن أقوله.

} قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيما ً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين~ {

( ولا أنتم عابدون ما أعبد )، أعنى الذين سيبقون على كفرهم حتى الموت، يقابلها ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) أي أنني سوف أبقى على ديني وما هداني الله إليه حتى يتوفاني الله سبحانه وهو راض عني . وقد جاء للمرة الثانية  في الآية الخامسة: ولا أنتم عابدون ما أعبد. ويتبين من هذه الآية الكريمة أن كفر الكافر لا ينتهي بموته بل يتعداه إلى ما بعد الموت بمسئولية عمن كفر بسبب كفره وإضلاله لغيره من أولاد وأحفاد وتابعين ومريدين مصداقاً لقوله سبحانه: } ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء  ما يزرون ~ {   161/ الأنعام ، وآيات كتاب الله في تخاصم أهل النار كثيرة أذكر منها قوله سبحانه في الآيات 58/64 من سورة(ص): } هذا فوج مقتحم معكم لا مرحباً بهم إنهم صالوا النار~ قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار~ قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفا في النار ~ وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار~ اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار ~ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار~ {.

 

وقوله جلّ شأنه مخاطباً رسوله r  في الآية 6 من سورة  الكهف: } فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ~ {  

 

وإن الرسول r تسامح مع المنافقين ليخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لأن الكافر لا يلد على الأغلب إلا كافراً، وأن جميع الأديان متوارثة  أباً عن جد.

 

وخلاصة ما تقدم أن الكافرين في الآية الأولى تعني الكافرين برسالة محمد  rفي الحاضر، يقابلها في الآية الثانية: لا أعبد ما تعبدون، أي لا أعبد عبادتكم في الحاضر أيضاً. وجاءت في الآيتين الثالثة والرابعة: ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم مستقبلاً على أن اسر يكمن فيما جاء في قوله سبحانه للمرة الثانية في الآية الخامسة: ولا أنتم عابدون ما أعبد.

 

ويتبين من الآية الخامسة في صيغة اسم الفاعل بالنسبة للكافرين للمرة الثانية مسئولية الكافرين بعد الموت عن كل من كفر نتيجة لكفرهم كما تقدم. ومن ذلك يتبين أن الآيات التي جاءت بصيغة اسم الفاعل كلها تعني المستقبل، اثنتين منها متعادلتين قيل الموت، والثالثة في مسئولية الكافرين بعد الموت. وإذا لم يكن لهذه الآية مقابل بالنسبة لرسول الله r فذلك لأنه قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة وأقام حكمة الله البالغة وحجته الدامغة على أهل المعصية، وأشهد الله على ذلك وقبله سبحانه منه وأقره جل ّ جلاله عليه مصداقاً لقوله سبحانه: } وما على الرسول إلا البلاغ  المبين~ {      54/ النور

 

وقال r في حجة الوداع: } ألا هل بلغت اللهم فاشهد ). ويتبين من الآية السادسة ( لكم دينكم ) الذي ارتضيتموه من الإثم، ثم استقرار هذا الإثم  بمسئوليتكم ع أحفاد وأتباع من كفر بكفركم إلى يوم القيامة. } ولي دين ) وما ارتضيته لنفسي من هداية من رب العالمين ورسالته الخاتمة، كما أن لي مثل أجر من تبعني في حياتي.. فإن لي مثل أجر من تبع من التابعين من بعدي من أحفاد وأبتاع ومريدين إلى يوم الدين دون أن ينقص من أجره شيء، وليس على ّ من وزر من يضل منه ممن بعدي مصداقاً لقوله سبحانه :} ولا تزر وازرة وزر أخرى {  7/ الزمر

 

     أي أن كما للداعي بدعوة الخير والدلالة على الخير مثل أجر التابع إلى يوم الدين، فإن على الداعي بدعوة الشر والدال على الشر وزر التابع إلى يوم الدين أيضاً مصداقاً لقولهr: ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله )، والعكس صحيح أيضاً، وقولهr: }.. فمن رغب عن سنتي فليس مني ).

 

وعليه أرجو أن أكون قد وضحت أن هذه السورة غير منسوخة وأنها بحق تعادل ربع القرآن كما جاء في الحديث الشريف.

 

لمحة عن اليهودية العالمية:

     إذا كانت اليهودية تؤمن إيماناً جازماً بأنها شعب الله المختار، والأموال الموجودة في العالم كله ملك لها، وأن العالم كله خدم وعبيد لها.. بينما هي أقل شعوب العالم عدداً ومع ذلك فإنها لا تقبل أن يدخل في دينها إلا من كان يهودي الأم على الأقل. علماً بأن غالبية شعوب العالم لا تنظر إليها نظرة ارتياح تام.. مما يفرض عليها المحافظة على سلامة أقليتها من أن تطغى عليها أكثرية عالمية ما، ومن المعلوم أنه لا يتحقق لها ذلك إلا بتفتيت الأكثريات إلى فرق كثيرة وشيع متعددة مختلفة ولا سيما عند بدء تكوينها، وذلك بأن يتطوعوا ويظهروا بمظهر الأتقياء المرشدين لتعاليم هذا الدين نافثين سمومهم على أن اليهود هم اليهود ولا يزالون كما هم مع من يقبل على الإسلام في أميركا وأوروبا. وأن اليهودية لا تتورع عن قتل نبي يدعو بدعوة عامة حتى ولو كانت تعلم علم اليقين أن ذلك النبي مرسل من ربه لآن عقيدتها قومية عنصرية خاصة ببني إسرائيل وكذلك الأمر فيما لو كان المضاد لأهدافها مندوباً عن الأمم المتحدة كلها. أو كان رئيساً لجمهورية أو رئيساً دينياً كبيرا. فإنها تبادر بقطع رأسه أولاً ثم تفكر في العواقب ثانياً. وهذا ما تتفرد به اليهودية العالمية عن ذوي العقول من الأمم والأفراد، لأن خلاصها من القوة المضادة يعتبر بالنسبة لها مسألة حياة أو موت. كما أنه من المعلوم أن اليهودية العالمية تتدخل في كل أكثرية في العالم مهما كانت بمختلف الأساليب للغرض نفسه. وقد تنسج هي أكثريات مضادة كالشيوعية والماسونية والباطنيات المختلفة.

 

 وقد تدخلت اليهودية في الدين المسيحي من أول نشأته، وتدخلت في الدين الإسلامي كذلك وكان تدخلها أثناء نزول القرآن فقد كان القرآن يفضح هذا التدخل ويحذر من دسّ المنافقين على الإسلام والمسلمين. وإذا كانت لم تترك ولن تترك مثل هذا التدخل على الإسلام والمسلمين. وإذا كانت لم تترك ولن تترك مثل هذا التدخل في كل قوة وكل كثرة ما أمكنها ذلك، وتحتل المراكز الإقتصادية والسياسية في العالم، وكذلك الإعلامية والسياحية وغير ذلك من المراكز المهمة في الدول، ولا تتأب عن امتهان وسائل الإغراء والإثارة لغرائز الأفراد العاديين وما أكثرهم واستمالتهم وتحقيق رغبات الغالبية في دور الملاهي الماجنة بقصد هدم الأكثريات المضادة وتسخيرها لها محافظة على سيطرة أقليتها وصولاً لما ترومه من هيمنة عالمية تحفظ لها أقليتها في مراكز قوى سلبية عالمية وإيجابيات مضادة توصلها إلى احتلال بيت المقدس وما بارك الله من حوله يوماً ما.

 

وإذا كان في ذلك غرضها وقد وصلت إليه بعمل دائب وجهد متواصل منذ آلاف السنين، فهل يستطيع أحد أن يلقي اللوم عليها كشعب عادي لا كدين سماوي فيما حققته من نجاح لقوميتها وأهدافها بشتى الوسائل ومختلف الطرق، ومن أهمها دراسات نفسية لميول مختلف الأفراد في القمم بجميع الشعوب والأمم ؟ على أنها اليوم في قمة عالمية مرموقة، وعلو كبير في مواجهة العالم كله على مستوى مجالس الأمم المتحدة بل وعلى مستوى الدول خارجها. ثم إذا كانت اليهودية تعتقد أنها ستملك ما بين النيل والفرات، وإذا كان قد تحقق من ذلك البعض، فما الذي يمنع من تحقيق الباقي لا سمح اله ؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن يكون عليه اللوم إذن؟

 

لا شك أن اللوم يقع على التجمعات العالمية وأخص منها التجمع المسيحي والتجمع الإسلامي، لأنهم قابلوا تقدم اليهود الجاد بشيء من الوهن وعدم المبالاة. وقد قيل في المثل: عاجز مجد خير من قادر كسلان، وذلك في قصة قرأناها صغاراً في التسابق بين الأرنب والسلحفاة. وإذ كانت اليهودية تستغل كل وسيلة في سبيل الوصول نحو غايتها.. وإذا كانت وسائلها رخيصة، فإنه لا مناص لها من ذلك أو الموت. على أن القرآن العظيم قد بين كل شيء، ولكنا كما عن ذلك غافلين  علماً بأن مما بينه لنا سبحانه في خاتم كتبه الكريمة:


 

أولاً: الوعد الذي يؤمن به اليهود

   نعم.. يعمل اليهود للوصول له بهدوء كتواصل بلا هوادة أو كلل، وبمختلف الوسائل وشتى المنعطفات. وهو كما جاء في قوله سبحانه في الآية 124من سورة البقرة: } وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمّهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ~ {

 

    ويظهر من هذه الآية أن الله تبارك وتعالى وعد إبراهيم بالإمامة وقد طلب إبراهيم من ربه أن تكون الإمامة لذريته من بعده أيضاً، فكان الجواب من الله سبحانه أن هذه الأمامة لك وللصالح من ذريتك كعهد من الله، وأن هذا العهد لا ينال الظالمين. وإذا كان اليهود هم من بني إسرائيل الذي هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم.. فإن العرب هم أبناء إسماعيل بن إبراهيم إذن.. فالوعد ليس لبني إسرائيل وحدهم، بل يدخل معهم أبناء عمومتهم أبناء إسماعيل.

 

والمفروض أنه ببعثة خاتم النبيين يتحول الوعد إلى محمد رسول الله r والصالح من متبعيه. وفعلاً تحول الوعد زهاء ما يقرب من أربعة عشر قرناًمن البعثة، ولم يتحقق لليهود ما كانوا يحلمون به ويعملون  له منذ آلاف السنين، إلا بعد ما تأخرنا عن نصر الله لنستحق النصر منه سبحانه كما نصر من قبلنا من المؤمنين العاملين للصالحات مصداقاً لقوله سبحانه: } إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم {   7/ محمد

 

والعكس صحيح أيضاً وإذا كانوا قد وصلوا إلى ما هم عليه الآن، فلأنهم لم يفتروا عن الجهد في مواصلة دأبهم إلى تحيق ما يرمونه ويرمون إليه، لأنهم آمنوا بالوعد أكثر من إيماننا به. ونعود ونقول: إن اليهود لم ينالوا ما نالوه بصلاح وتقوى..  بل إن ما نالوه يعتبر تقدماً بالنسبة لتأخرنا  أي أن الفروق فيما بين الخلائق نسبية، بمعنى أن تأخرهم في الأول كان لحساب أجدادنا، وتقدمهم في الآخر كان على حسابنا.. وسنعود ويعود النصر لنا بإذن الله.

 

ثانياً : توقيت قيام دولة اليهود

   وكما أخبرنا سبحانه في القرآن الكريم عن الوعد.. فقد أخبرنا سبحانه عن قيام دولة إسرائيل بعد ذلة ومسكنة وتفرق لازمهم فترة طويلة، وذلك بقوله سبحانه: } ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصواًكانوا يعتدون {   112/ آل عمران

 

على أن الذي يتبين أن ارتباطهم بحبل من الله كان بتسمية دولتهم بدولة إسرائيل.. الذي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كما تقدم، وهو نبي ابن نبي ابن نبي.. كما لو سمى المسلمون دولتهم باسم محمد أو إبراهيم الخليل مثلاً.

 

    أما ارتباطهم بحبل من الناس فإنه معروف سواء كان مع أميركا كما هو مشاهد اليوم، أو مع غيرها.. ولا سيما مع الفرق الباطنية الكثيرة المنتشرة في العالم كله والتي لا يعرف الكثير منها حتى الآن التي تأمل إسرائيل أن تكون منهم نفيراً لها تستعين به يوماً ما على العلم كله. وقد يدخل في هذا النفير كل تطرف يميني وكل تطرف يساري لأن التطرفين كليهما من نسيج يهودي على الأغلب، لأن دين الله وسط، وإذا كان تأييد أميركا مثلاً اليوم، أو وجود الباطنيات الكثيرة المختلفة بيننا هو الذي أدخل فينا الوهن، فإنه لا بد لليل أن بنجلي، ولا بد للقيد أن ينكسر. ولو انقطع عنهم أحد الحبلين لانتهت دولتهم. وإذا كان اسم إسرائيل ملازماً لهم كنسب.. فلا بد أن ينقطع عنهم حبل الناس لتعود إليهم ذلتهم ومسكنتهم.

 

ثالثاً : توقيت نهايتها بعد علوها الكبير

   وقد جاءت نهاية إسرائيل في خمس آيات من سورة الإسراء من 4-8 هي: } وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلون علواً كبيراً ~ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا ~ ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ~ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤ وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبتروا ما علوا تتبيرا ~ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ~ {

 

ومن ذلك يظهر أن الله سبحانه قد تعهد ببعث عباد  له أولي بأس شديد لإخراجهم من بيته الحرام الذي هو المسجد الأقصى كلما دخلوه وذلك بقوله سبحانه: } وإن عدتم عدنا {

 

أي أنه كلما عدتم لدخول المسجد عدنا لإخراجكم منه. وإن رجال الدين لدى اليهود يعلمون ذلك تمام العلم حيث أنه مكتوب عندهم في التوراة. ولا غرو أن يكون في القرآن الكريم جميع ما جاء في الكتب المتقدمة مصداقاً لقوله سبحانه على لسان خاتم رسله r:

} قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ~ {   24/ الأنبياء

وقوله سبحانه: } وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه { 48/المائدة

 

ويتبين مما تقدم:

 

1)  أن السلام والتصالح مع إسرائيل لا يمكن الحصول عليه طالما أنه على جانب من الملك والمنعة مصـــداقاً لقوله سبحانه: } أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيرا { 53/ النساء

2)  إن الذي يظهر من رفض إسرائيل لمختلف عروض السلام والتصالح أنها لا تريد السلام بل تريد التوسع ما لم يجل دون ذلك قوة مرغمة.

 

القوة المنتظرة:

   إن الله سبحانه لم يعين العباد إلا بوصفهم بأنهم أولو بأس شديد، وكل الخلق عباد لقوله سبحانه: } إن كل من في السماوات والأرض إلا ّ أتي الرحمن عبدا ~ لقد أحصاهم وعدهم عدا ~ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ~ {  93-95/ مريم

 

على أن كلمة " عباداً " تخصص للمؤمنين الصالحين، وكلمة " عبد " تشمل جميع الناس مما يبشر بأن الذين سيتعاونون معنا سيكونون عباداً صالحين.

 

وعليه فإن القوة المنتظرة إما أن تكون من خارج  بلادنا أو أنه قد آن الأوان لأن يبعثنا الله من جديد ويوحد كلمة المسلمين على يد زعيم كصلاح الدين الأيوبي مثلاً.

 

وإن أملنا كبير في اتحاد العالم الإسلامي والعالم المسيحي تحت كلمة " بسم الله الرحمن الرحيم "

 

وان القرآن العظيم يقول: } لتجدن أشد الناس عداوة ً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ّ نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ~ {    82/ المائدة

 

   اللهم إن وعدك الحق، فوفقنا وإياهم للهداية والرعاية برحمتك، والإيمان الخالص والعمل الصالح في سبيل مرضاتك سبحانك لا إله إلا أنت ولا معبود بحق سواك، إنك لا تخلف الميعاد.

 

والحمد لله رب العالمين